ربيع الشعوب خريف الحكام

أحكمكم أو أقتلكم
مقولة قالها السيد "شلقم" مندوب ليبيا في الأمم المتحدة بعد انشقاقه عن نظام القذافي، مختصرا فيها الأعمال الوحشية التي قام بها هذا الأخير لإسكات الأصوات المطالبة بالحرية والكرامة بعد حكمٍ يزيد عن اثنين وأربعين سنة محاربا فيها كل الرموز وكل الكفاءات الليبية ومحتكرا للسلطة ظانا أن الشعب قد تماهى معه، فأصبح القائد والشعب معا لذلك لما قال إنه سلَّم السلطة للشعب فقد سلمها لنفسه.
خلاصة شلقم هذه لخصت أيضا ردود فعل الأنظمة العربية في مواجهة شعوبها الراغبة في الحرية مِن قتل وتعذيب وتنكيل لتفضح ذهنية استكبارية طفحت على سطح ربيع الثورة العربي. تريده خريفا لا ربيعا تتلوه شتاء فتحمله أوراقا متساقطة إلى ذاكرة النسيان. أو صيفا تقطف فيه رؤوسا قد أينعت. وأخيرها يريده صيحة في واد سحيق. لا واحد من حكام العرب يريد أن يلتفت إلى ما يريده الشعب وما يعانيه؛ فقر مستفحل وطوابير البطالة تنتظر شغلا كريما يحفظ الكرامة، أما الأسعار ففي تزايد سافر، والأجور على حالها، حتى اضطر الواحد منهم إلى بيع كليته ليعيش، وقامت أخرى ببيع نفسها في دول بترودولار لإسكات صوت الجوع، أما التعليم فقد أصبح هم كل بيت، والأمية تكتسح أكثر من نصف السكان. ومن دول العالم العربي من احتلت المرتبة ما قبل الأخيرة في التعليم.
لا أريكم إلا ما أرى
من النكت أن شعبا عربيا يوضع له إشارة اليمين واليسار في الحذاء دليلا على عدم قدرته على التمييز بين اليمين و اليسار. وفي الوقت نفسه تزيد ثروة الحكام "عفوا مسروقات الشعب" متراكمة في الأبناك المحلية وأكثرها في الأبناك الدولية وأولادهم يدرسون في أشهر المعاهد حتى أمست جغرافية الوطن العربي إقطاعية للحاكم وعائلته وأصهاره. وتاريخه مختزل في تقديس الزعيم والولاء له. أما ثقافته تدور حول ما قاله فرعون "لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد"، ودينه إرهاب. أما الإعلام فقد آثر الخبز على الكلمة الحرة. سيَّروه بوقا يمجد الزعيم ويضفي على أفعاله صفة القداسة. أما الشباب الذي هو مفخرة الشعوب وسر قوتها فقد مثلوه بالجرذان والمهلوسين. وهم على قدم وساق يتبارون في اختيار ألقابهم بين ملك الملوك وسلطان السلاطين وأمير المؤمنين والقائد الملهم والزعيم العبقري... منهم من صعد على أكتاف المستضعفين في انتخابات مزيفة بشعارات صاغها لهم تجار الكلمة المنمقة مقابل دراهم معدودة.
من أراد تذكير هؤلاء بالوعود التي وعدوا بها تُلفق له التهم الجاهزة على طاولة المخابرات بتهمة الإرهاب أو التعامل مع قوى خارجية أو الطائفية وفي أحسن الظروف بالجنون. فتعالت الأصوات المطالبة بالخبز والكرامة والحرية، إذ ليس بالخبز وحده تُنال الكرامة ويسعد الناس بالحياة. مطالبٌ تراكمت على الصدور جيلا بعد جيل حتى باتت معاناة وقهرا لا ينجلي إلا بصرخة مدوية يهز صداها كل جغرافية الوطن العربي تبعث من في القبور وتحصل ما في الصدور. تهز عروشا قد ظن أصحابها أنها جبالا راسيات. مطالب رفضت أن تظل حجارة تدوسها الأقدام بل تعلو وتقذف في وجه الطغيان والاستبداد...
وعد ووعيد
أمام جلال الموقف وارتفاع السقف خرج الحكام إلى الشعوب بالوعد والوعيد على مرأى ومسمع من العالم لسان يعد بالإصلاح ولسان يتوعد بتطهير البلاد مِن كل مَن رفع صوته بالتغيير "شبر شبر. دار دار. زنقة زنقة حائط حائط... " لأن لا أحد يعرف أكثر منهم ولا أحد أقدر منهم على إدارة البلاد والعباد، هو وحده بلا شريك القادر المهيمن. ويبلغ الأمر مداه حينما يقول أحدهم " إما أنا أو الفوضى"، وكأن التاريخ لن يلد أمثالهم وفعلا لن يلد التاريخ أمثالهم في الكذب والنفاق وسرقة الشعب ومقدراته، ويتمادون في التنكيل بالمواطن وقتله بالرصاص والدبابات وراجمات الصواريخ كأنهم في حرب ضروس مع عدو مدجج بالسلاح. حتى بيوت الله لم تسلم من التخريب والتهديم والتدنيس .
استقواء الظالمين على شعوب مستضعفة طالبت بأقل مطالبها. لكنهم صاروا جرذانا أمام قوى الاستكبار العالمي ممن يمول أنظمتهم المتهاوية تباعا، قدوتهم في ذلك ما أقدم عليه المجرمون أمثالهم في الفلوجة و في روسيا وفي أفغانستان ليقولوا للشعوب بكل وضوح إما " نحكمكم أو نقتلكم".
ويستمر الربيع
ويستمر ربيع الثورة العربي غير مبال بالتهديد والوعد والوعيد . يكشف المستور ويحارب الصمت ويتجاوز الخوف، ويحطم الأصنام التي عبدت رهبا ورغبا ويهز عروشها ليرمي بها في مزابل التاريخ. ودماء الشهداء لن تغدو سوى شقائق النعمان لا تزيده إلا روعة وجمالا، ماشيا في طريق قد رسمه له القدر سلفا في قوله تعالى:
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ.
المراجع
- 1.سورة القصص:5و6 ↩



