رتيب ورتيبة يستعدان للامتحان

لم يبق غير أسبوع واحد يفصل رتيب عن اجتياز الامتحانات فأخذ يستعد بشكل سريع كالمعتاد، يتوقف بين الفينة والأخرى مدة لا محدودة كي يخرج للبحث عن دروس كثيرة لم يدونها في دفاتره لأنه كان منشغلا آنذاك باللهو واللعب، وينتظر رن الجرس بفارغ الصبر ليهرول خارجا دون كتابة دروسه، لم يكن رتيب وحده بل كانت له زميلة في الفصل تتصرف نفس تصرفاته.
وهما يستعدان للامتحان غالبا ما يهتمان بمزاعم زملائهما ممن يقولون : "دون شك لن يطرح هذا السؤال أو لن نمتحن في هذا الدرس لأنه طرح السنة الماضية أو لأنه..." فيهملانه ولا يطلعان عليه، أو يستمعان من يردد القول المشهور بين المهملين : "من نقل انتقل ومن فكر كرر" ليجهدا نفسيهما في البحث عن الجديد في باب الغش في الامتحان، لاغيان عقلهما وتفكيرهما...وعند الامتحان يضطربان فينظران في ورقة هذا وذاك لا يميزان الخطأ من الصواب أو يتيهان بين سطور وريقات لا نهاية لطولها، يبحثان في هلع وخوف من ضبطهما متلبسين من طرف المدرس الذي يحرسهما ليبدأ التوبيخ والوعيد والتهديد.
تمر السنون هكذا مرة ينجوان ومرات عديدة يخفقان، كبر رتيب ورتيبة فخرجا للبحث عن شغل ليصطدما بمرارة الواقع كانا كالقشة الخاوية التي تتلاعب بها الرياح هنا وهناك، وكانت كل الأبواب موصدة في وجهيهما، وبعد عناء دام طويلا حصل رتيب على عمل بسيط بصعوبة، ثم بعد وقت قصير فكر في الزواج لم يجد أمامه إلا رتيبة التي قبلت به بعد طرق بابها مباشرة، تزوجا وعاشا حياة مملة رتيبة لا طموح ولا إرادة قوية تدفعهما إلى الأمام، تسحقهما عجلات الحياة وتتحكم بهما عوض أن يتحكما بها، يستهلكان كميات هائلة من الأوكسجين دون أن ينتجا شيئا...توفي رتيب ورحلت رتيبة وأنجبا للمجتمع أطفالا كثر يحملون صفاتهما فعم الخراب وهلك المحيط الذي يعيشان به.
لا أحد منا يريد أن يحيا حياة رتيب ورتيبة، ونحن نستقبل فترة الامتحانات وهي فترة سرعان ما تمضي وتزول زوال الشمس خلال النهار إلا أن الشمس تعود وما مضى من وقت أضعته لا يعود، ليحصد كل واحد ما زرعه خلال الدورة، فأنت لا محالة لست المغفل رتيب الذي ضيع عليه فرصا عديدة فما حصد سوى المعاناة والمهانة.
إنك بدون شك تدرك مكامن مصلحتك، فتشرع في الاستعداد للامتحان منذ مدة، تدون دروسك وتحرص على إتمامها وتنظيمها في شكل ترتاح له نفسك، ويستوعبه ذهنك بسهولة أثناء المراجعة، على أن تستعين بمن حولك مستغلا فرصة وجودهم جنبك لتفك رموز كل ما صعب عليك فهمه، وتدرك أن المعارف التي تتلقاها في حصصك الدراسية ليست عبثا بل المفروض أنها جزء من المواد التي تبني بها صرح فكرك وشخصيتك على أساس متين، إذا اجتهدت في فهمها وعلمها وترسيخها في ذهنك والاستفادة منها وجعلها عملية في واقعك، ولا تفكر بأنها مؤقتة تبقى حبيسة الدفاتر والكتب، وتحفظها في ذهنك لتنتهي صلاحيتها بانتهاء الامتحان، كما أنك دون شك لست رتيب كي تضيع وقتك في البحث عن وسائل للغش في الامتحان، لأنك تدرك بحق عواقب الغش التي تخرب المجتمعات والتي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : "من غش فليس منا" فهو يجعلك تبني شخصيتك من فراغ، وكل مبني على فراغ لا محالة مآله السقوط، فأنت العاقل الحكيم الذي لا يبالي بالمزاعم الفارغة والذي يرغب في سلوك الطريق الصحيح الذي يجعله ناجحا بتفوق يجلب له العزة والفرح الحقيقي بعيدا عن الذل والهوان.
إن مجتمعك المسلم يحتاج لبنة قوية أساسها أنت،
التلميذ أو الطالب القوي في تفكيره، الذي تكون قدمه راسخة هدفه الأسمى جلب النفع لوطنه ومجتمعه وأمته المسلمة في شتى المجالات، فتكون ممن يفتخر بهم ممن يسهمون في تحقيق التقدم والازدهار والرقي.





