في زمن اختلت فيه الموازين، وغلب الشر على الخير، والتف الباطل على الحق كالتفاف الأفعى حول الفريسة، بزغ نور الحقيقة في غزة العزة، هو نور لا يخبو بل ينير درب الجهاد لمقاومين باعوا دنياهم واشتروا بها آخرتهم، خرجوا من بين الركام والأنفاق غير آبهين بمن باع أو طبَّع أو خذل واستكان، هم قوم لا تغرهم الحياة الدنيا وزينتها، ولا يفتنون ببريقها الزائل، لأنهم انصاعوا لأمر الله سبحانه وتعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 74].
لقد امتثل المقاومون في غزة لأمر الله فجاهدوا في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا، لم يترددوا، ولم يلتفتوا إلى من تخلى عن ركب الجهاد متقاعسا أو مترددا أو خائنا، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، باعوا أنفسهم لله ابتغاء مرضاته فاشتراها منهم، يقول سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التوبة: 111].
هؤلاء الرجال انصاعوا لأمر الله وأعدوا العدة للجهاد رغم علمهم بأن درب الحق مفروش بالأشواك، لم يتوانوا لحظة عن هذه الطريق، هتكوا حجاب الموت الحائل بينهم وبين عدوهم وخرجوا عليه ظاهرين، يعلمون أنهم قد يُقتلون وقد يَغلبون، والجميل في الحالين أنهم منتصرون ومنصورون، لأن الفوز الحقيقي هو الثبات على طريق الحق ودرب الجهاد لآخر نفس، ليحق لهم الأجر من الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران: 169]. ويا له من أجر عظيم ! أجر لا يقدر بثمن، فهل لجنة الله ثمن؟! إنه أجر الله، وأي أجر أعظم من رضى الرحمن، هو وعد من الكريم الذي لا يخلف وعده، فإذا وعد وفى، وإذا أعطى أدهش.
خرجوا مجاهدين في سبيل الله بعزم وإيمان، لا يخشون في الله لومة لائم، مقبلين غير مدبرين، قلوبهم معلقة بالسماء، تشرئب أعناقهم للشهادة في سبيل الله قبل الحرية المدرجة بالدماء، وتشتاق أفئدتهم لريح الجنة ونعيمها، كرامتهم أبت أن تعيش تحت سياط الذل وقيود المهانة، فقاتلوا كالأسود في ساحة الوغى لتكون كلمة الله هي العليا امتثالا لأمر نبيهم الكريم: “مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ” (متفق عليه).
مبتغاهم ومطلبهم الحثيث هو الشهادة في سيبل الله، لا يطلبونها من باب الهروب بل من باب الإقدام والشجاعة، بصدور مفتوحة وقلوب مطمئنة، لأنهم يعلمون يقينا بأن الاستشهاد في سبيل الله هو من أعلى مراتب التضحية والعطاء، مثلهم الأعلى نبيهم العظيم وكل حماة الإسلام السابقين من الصحابة والمجاهدين الذين صبروا على درب الحق، ثابتين على نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله ونيل الحرية إما بالنصر أو الشهادة، قائلين لسلفهم الصالح (إنا بكم لاحقون، وإنا على آثاركم لمهتدون، وعلى دربكم سائرون) فطوبى لهم وحسن مآب.