رجل المنهاج واقتحام العقبة

Cover Image for رجل المنهاج واقتحام العقبة
نشر بتاريخ

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي أعجبتُ بشخصية دعوية فذة كان لها تأثير إيجابي على تلامذة أحد ثانويات مدن الشمال وخصوصا القسم الداخلي. عند تعرفي على هذا الشاب الخلوق عبَّر لي عن إعجابه بسيرة الإمام حسن البنا رحمه الله من خلال قراءته كتاب “تذكرة الدعوة والداعية”. وكان هذا الشاب ذا ذكاء اجتماعي متميز بين أصدقائه، يقتدون به في عبادته وأخلاقه الحميدة واجتهاده في دراسته ويشاركونه أنشطته الدعوية المكثفة .

وذات يوم كنت في زيارة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بمدينة سلا حيث كان يستقبل ببيته شباب الدعوة ويرشد حماستهم الإيمانية بدعوتهم إلى الخروج من زمن العادة إلى زمن العبادة وحُسن الإقبال على الله عبر منهاج إيماني شامل، وترغيبٍ في تطبيق “يوم المؤمن وليلته”، والقيام بالتواصل الدعوي مع كل الناس. ولم أستطع إخفاء إعجابي بما يقوم به هذا الشاب المجتهد في الدعوة العامة والخاصة بين الشباب فقلت لسيدي عبد السلام: إنني اكتشفت “رجل المنهاج” بمدينتنا! وعرفت ببعض أنشطته، أقصد بـ”رجل المنهاج” صاحبنا الشاب الذي أصبح شامة بين أقرانه.

استحسن المرشد رحمه الله ما سمعه من خصال الخير المشعة من تلميذ نجيب في فترة كانت لموجة الفكر المادي امتداد بين أطر التعليم عموما والطلبة خصوصا، لكنني فوجئت بتوجيهه إياي، رحمه الله، المنبه إلى ضبط مفاهيم ومعايير تقويم الشخصية الإيمانية الدعوية، حيث قال: “رجل المنهاج” هو الذي يقتحم العقبة إلى الله عز وجل.

رجل المنهاج

من يكون رجل المنهاج؟ وما المقصود من اقتحام العقبة إلى الله؟

كيف نبحث عن مضامين الجواب عن هذين السؤالين في زمننا، زمنٍ تفيض فيه الشاشات بالصور والكلمات، وتتنافس فيه سوق الدعوات بتوزيع أساليب التأثير المضغضغة لعواطفنا والمشتتة لانتباهنا.. فترى المتابع منا لبطاقات التذكير والوعظ والإرشاد عبر هاتفه لا يجد أثرا عميقا في نفسه وسلوكه. أصبحت دائرة معرفتنا بديننا أوسع من إرادتنا العاجزة عن العمل.

بينما رجل المنهاج لا ينجذب إلى حكمة دينه ورحمته فقط، بل يجدد توبته برجوعه إلى ربه بتجديد إيمانه والسعي إلى استكماله وطلب الفوز بربه. رجل المنهاج ليس مثالياً حالما، لكنه صادق. يجتهد ويخطئ، لكنه لا يبرر. يضعف، لكنه لا يستسلم. يسير، حتى وإن كان ببطء، لكنه لا يتوقف. عمله الصالح لا يتحول إلى نشاط عابر بل إلى عبادة جوارحية قلبية مستمرة لا تنقطع.

حين يسمع نداء الله، لا يؤجله بل يستجيب، ولا تكون استجابته جزئية انتقائية للنداء الإلهي، بل استجابة المحبين المقبلين على التقرب إلى محبوبهم.

رجل المنهاج يدرك أن الطريق إلى الله وعر لا يمكنه اختصاره، ولا تجاوز عقباته، ويتطلب طول نفس وصبر، وتهمماً بالأسئلة المصيرية: من أنا عند الله عز وجل؟ ما اسمي في ملكوت الله؟ وهل سأُكتب من إخوان الآخرة؟ ما حظي من أخوة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

إنها عقبة كؤود ومشروع عمر!

رجل المنهاج يغالب العقبات ويعلم أنها لا تزول دفعة واحدة، بل تتجدد في كل مرحلة من مراحل سلوكه إلى الله عز وجل.

اقتحام العقبة ليس فكرة تشرح، ولا شعاراً يرفع، بل قرارا يتخذ بعد التوكل على الله عز وجل. يقينٌ يخرج صاحبه من ضيق أعذار النفس الحابطة الهابطة سجينة عادة التردد والتأجيل والتسويف والتواني والتشتت.. إلى سعة الانجماع على الله، فتكون وجهته الله عز وجل.

لرجل المنهاج وعي بزمن العبادة، وكل يوم يمر من حياته دون التقرب إلى الله عز وجل هو خسارة حقيقية مهما امتلأ بالإنجازات. رجل المنهاج يتهمم بسؤال اقتحام العقبة إلى الله لأنه يعلم أن لحظات الاقتحام فرص العمر لا يمكن تأجيلها، لأنها قد لا تعود..

رجل المنهاج لا تبنى شخصيته بإيمان العجائز، بل بتمثل الخصال العشر: (الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت، التؤدة، الاقتصاد، الجهاد)، يرشد إيمانه الفطري في بيئة الصحبة والجماعة ليصبح شخصية عملية، متوازنة، شخصية شاهدة قائمة بالقسط، بثباتها مع الصف وبنظام الصف تغالب الباطل وتحزباته.

تأصيل اقتحام العقبة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مؤصلا مفهوم “اقتحام العقبة” الوارد في سورة البلد 1: “يقول الإمام أبو بكر بن العربي المعافري في كِتابِه “أحكام القرآن” في تفسير هذه الآيات فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (البلد: 11) العقبة فيها خمسة أقوال: الأول: أنها طريق النجاة، قاله ابن زيد. الثاني: جبل في جهنم، قاله ابن عمر. الثالث: عقبة على جهنم وهي سبعون درجة، قاله كعب. الرابع: أنها نار دون الحشر. الخامس: أن يحاسب نفسه وهواه وعدوه الشيطان. قال أبو سعيد الحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه وهو من التابعين من كبارهم من أئمة المسلمين وصالحيهم: “عقبة والله شديدة!”. ترون إخواني ما قاله الأئمة من أن العقبة إما طريق النجاة -طريق النجاة في الدنيا- أو جبل جهنم في الآخرة، أو نار دون الحشر. فهي في الآخرة آخر الأمر. ثم القول الخامس أن يحاسب الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. الحسن البصري من أطباء القلوب ومن الخبراء في السير إلى الله عز وجل، من الذين قال الله فيهم وفي أمثالهم: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (الأنبياء: 7). رجُلٌ حبس نفسه ثم أرغمها على التقرب إلى الله عز وجل، فكان نبراسا للأمة كلها، فهو خبير بالنفس وترويضها، بالنفس وعتوها واستكبارها. قال الإمام حسن البصري عن العقبة التي نُدِبَ الإنسان لاقتحامها: «عقبة والله شديدة!». اختار الإمام البخاري من هذه التفاسير قول مجاهد: إن العقبة التي يُراد للإنسان اقتحامها هي في الدنيا. هناك خلاف: هل هذه العقبة يكون اقتحامها في الدنيا أم في الآخرة؟ فالبخاري ذهب مع مجاهد إلى أن اقتحام العقبة يكون هنا في الدنيا. ونحن معه على هذا الرأي. والدليل على هذا هو أن الله عز وجل فسرها بعد أن ذكر اقتحام العقبة ولم يقل عقبة النار ولا الصراط ولا الميزان ولا الحساب ولا عقبة الحشر والنشر، إنما قال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (البلد: 12، 13، 14)، وهذه أمور كلها في الدنيا.

من يفك رقابنا؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “أخوك مستعبد كنتَ تفك رقبته اقتحاما للعقبة لو أدركت زمان كان المسلمون أعزة وكان دين الله هو الحاكم في الأرض. كان هناك يومئذ أسارى حرب يمسكهم المسلمون يربونهم بعد أن يتعلموا الإسلام وأن يرسخ في قلوبهم الإيمان من القربات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، فك رقابهم وتحريرهم ليعودوا لبلادهم ينشرون فيها دعوة الإسلام. أما اليوم، فالمسلمون مستعبدون تحت الذمة. من يحكم المسلمين؟ تحكمهم أمريكا وروسيا واليهود. من يحكم الضفة الغربية؟ من يحكم فلسطين المحتلة؟ من يحكم القدس؟ الصهاينة أعداء الله؛ فنحن عبيد بحاجة إلى من يفك رقابنا. فبالله عليكم كيف نلقى الله عز وجل، فيسألنا الملائكة: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾؟ أفيُقْبل منا جواب ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾؟ 2 في حرم الله في القدس الشريف اليهود يحكمون، يقتلون أولياء الله، يقتلون العلماء، ينكلون بالمسلمين والمسلمات، يهتكون الأعراض. لكن ما دام أذنابهم يحكمون سائر أرض المسلمين، مادام أذنابهم يمثلون الاستعمار الصهيوني والغزو الصليبي والغزو الفكري بين ظهرانينا ونحن ساكتون فلن يكون إلا هذا!.. لن نحرر الإنسانية ونفك الرقاب إلا عندما نغير سلوكنا، عندما نسير إليه تائبين متقربين مجاهدين. ولن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا. وهذا يرجع بنا إلى العقبة النفسية التي قال فيها الإمام الحسن البصري: عقبة والله شديدة!

ليحرروا رقاب المسلمين

ويوضح الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مسؤولية اقتحام العقبة، فيقول: “الله عز وجل فسر العقبة بأنها عقبة في الدنيا وليست في الآخرة: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ (البلد: 11، 12، 13) أوله خطوة قوية تخطوها أنت أيها المؤمن نحو الله عز وجل. تنزع أقدامك من حَمْأَة البلاء والفتنة، من أرض الرجز والغفلة عن الله وتضعها في أرض الجهاد. خطوة إلى الله عز وجل منك أيها المؤمن الفرد الوافد، ومنك أيتها المؤمنة. بهذا يبتدئ اقتحام العقبة. ثم بعد ذلك نصبح عشرة، فمائة، فألفاً، فمئات الآلاف، فينتظم المسلمون يقتحمون العقبة، يحررون رقاب المسلمين من رجز الكفر ومن الاستعمار الصهيوني ومن استعمار أمريكا ومن استعمار الفكر الإلحادي الذي يحتل أرضنا ويحتل جامعاتنا ومدارسنا وأفكارنا وكل مرافقنا” 3.

من أعماق أعماق الإنسان البداية

قد يأتي مؤمنون يبدؤون الدعوة من “الحل الإسلامي” و”البديل الإسلامي”؛ الإسلام يقول كذا وكذا في الاقتصاد، يقول كذا وكذا في الاجتماع، يقول كذا وكذا في الخبز، يقول كذا وكذا في مكافحة الغلاء، يقول كذا وكذا في التعامل مع الدول الأجنبية، يقول كذا وكذا في تنظيم الدولة. هذا كلام لا بد أن نقوله، ولا بد أن نفصله، ولا بد أن يكون واضحاً في خطابنا العام في معترك السياسة، في معترك العالم لا بد أن يكون هذا واضحاً، لكن البناء بناء جماعة إسلامية، لكن التربية تربية جند الله، لكن الجهاد وإعداد الجهاد في سبيل الله لا بد أن يبدأ من أعماق أعماق الإنسان وهو الذي يكون أسلوبه التذكير بالله وبالخلق وبالموت وبالبعث وبالنشور، حتى تستيقظ النفس البشرية من غفلتها عن الله، حتى تنهض، حتى تغير الوجهة، حتى تخطو خطوات في طريقها إلى الله، حتى تصمم تصميماً لا رجوع عنه على السلوك إلى الله، وجهاد في سبيل الله، والموت في سبيل الله. بدون هذا يكون خطابنا خطاباً سياسياً، يكون منظومة فكرية تقارع منظومات أخرى. نعم… نبين للناس أن الإسلام يعني الكرامة وإنهاء التبعية بجاهلية، نبين للناس أن بالإسلام نكون أئمة في العالم لا أذناب من الجاهلية. كل هذا واضح، لكن بناء الأمة، بناء جماعة إسلامية، بناء الإيمان، يبدأ بأخذ الإنسان من عراه، عواطفه وفكره وكيانه كله. هذا خطاب القرآن الذي يهز الإنسان هزاً، الذي يصدمه صدماً، يذكره بالله، بالقيامة، بالآخرة، بالعذاب في الجزاء 4.

صلوات الله على الهادي

لطريق الخير معلمنا 5


[1] عبد السلام ياسين، سلسلة الدروس المسموعة المنهاج النبوي، رقم: 4.
[2] إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (النساء: 97).
[3] سلسلة الدروس المسموعة المنهاج النبوي، رقم: 4.
[4] سلسلة الدروس المسموعة، المنهاج النبوي، رقم: 28.
[5] عبد السلام ياسين، ختم قطف 447.