وفي الذكرى رسالة

وسط عتمةٍ خلفها حجر صحي أبعدَ الأهل والأحباب، وبين إجراءات سئمت منها النفوس وأتعبت القلوب، ومع صوت الأنين الذي يُسمع في كل سجدة، ونزيفِ جرحٍ أبى الانقطاع، خلفه خنجر غدر مسموم اخترق الجسد المتين وفرق أعضاءه وزرع الجراثيم بين خلاياه. وأمام أعين ذابلة لم يجف دمعها، بعد أن أبصرت تلك الكوفية تُنتزع من فوق الأكتاف، وذلك العلم الأزرق يُرفع تحت نفس السماء التي نحتمي بها، ويحركه نفس الهواء الذي نستنشقه... يأتي حمام الخير يحمل رسالة نور هذبت النفوس وجمعت الأحباب في رباط تجاوز المكان ودخل بيوت كل من حمل في قلبه محبة لذلك الرجل وكل باحث عن الحقيقة.
حملت الحمامة في رحلتها هذه المرة رسالة الإنسانية وقدمتها في مأدبة علمية دسمة تنوعت أطباقها وأصنافها وتزينت بأجمع الكلم، أبدع مقدموها في الإعداد والتحضير والتقديم، واستطاع مبتكروها تحدي الظروف والعقبات، وعمد جنودها إلى إيصال الرسالة في أبهى حلة إلى كل مشتاق.
تجاوزت الرسالة الديانات والأعراق والطوائف، وأدارت ظهرها للخلافات والصراعات، وهدمت الأسوار والحدود، ونادت الإنسان لإحياء إنسانيته وجعْلها تسمو وتترفع عن كل عائق، نادته ليلبي نداء خالقه وصانعه فيرتقي ليليق وجود الإنسان بربوبيته الكاملة عز وجل.
رسمت للإنسان منهجا وطريقا للصلاح والإصلاح، واستمدت من الوحي الإلهي والسنة الشريفة منهاجا ينظم وجود بني الإنسان.
دعت العقول إلى الارتقاء في مراتب الفهم والبصيرة، وطالبت النفوس بالتربية والتهذيب، وناشدت الرقاب إلى التحرر من قيود الظلم والاستبداد. دعت إلى الرحمة والإحسان والتسامح والإخاء، ساعية إلى تشييد عالم يُعبد فيه الله عز وجل حق عبادته، ويحظى فيه الإنسان بحياة عادلة كريمة يؤطرها تحالف إنساني ينصر المستضعفين ويحمي الإنسانية من الاضمحلال.
جسد العرس الفكري والروحي مضامين الرسالة، فرأينا شخصيات من مشارب مختلفة وبلغات متنوعة وأعراق وأعمار وأجناس متعددة جمعتها غاية واحدة وزمن واحد، أفشت السلام بينها وتزاورت وتعارفت وتدارست معاني الإنسانية بأسلوب حوار محترف ونقاش خلوق وكلمات طيبة.
نزلت الكلمات على النفوس كالأدوية، تغذت بها الأرواح، ونفعت الذكرى قلوب المؤمنين، واستفزت العروض فضول المفكرين، وكانت الرسالة كعادتها جوابا قطع الحيرة باليقين، وأقام جدران الأمل من تحت أنقاض اليأس ودب فيها الحياة من جديد.
فرحم الله الرجل صاحب الفضل الذي عاش في سبيل الرسالة ورحل تاركا خلفه كنزا ثمينا وإرثا عظيما، أخجل من نفسي حين تخفق حروفي وكلماتي في وصف جميلك سيدي، أسأل الله عز وجل أن يجازيك عنا كل خير، وأن يكتب كل عمل وكلمة ومدارسة واجتماع وجلسة في ميزان حسناتك، وأن يوفقنا لنكون أبناءك البررة.


