"الله يصلحنا ويصلحكم"

حملت أوراقي البيضاء وقلمي، واتجهت نحو ثانويتي لأحضر حفل نهاية السنة، فوّض لي مدير الثانوية كعادته مهمة إعداد تقرير تفصيلي عن الحفل، فهو يدرك جيدا مدى تلعثمي وخجلي عند إلقاء الخطابات مما جعله يسدي لي مهمة كتابة التقرير، أحمل قلمي وأرصد من خلاله كلمات الناس وتحركاتهم الدائمة وكأني أحمل منظارا أراقب به تحركات النجوم وأتعرف على مواقعها وأوصافها.
أخذت مقعدا في الصف الأمامي، كانت الكلمة الأولى لممثل الآباء؛ ألقاها العم خالد محبوب التلاميذ الذي طالما كنا نغبط زميلنا أكرم عليه؛ فهو أب رائع.
تقدم وأمسك بمكبر الصوت ثم انطلق، بعد التحية والشكر للحضور، قائلا:
بصفتي ممثل آباء وأولياء التلاميذ أشدّ على أيدي أبنائنا وبناتنا وأهنّئهم على طول النفس وصبرهم على أعباء الدراسة، أهنّئهم على النجاح الذي أحرزوه خلال هذه السنة وأتمنى لهم دوام النجاح والتوفيق. لكن دعوني أغتنم الفرصة لأحدّثكم معشر التلاميذ بما أحدث به أبنائي؛ نجاح الدنيا يا أعزائي لا يكتمل إلا بنجاح الآخرة، ولا أرى لكم بابا أقرب لهذا النجاح من بِرّكم بمن كان سببا في وجودكم ونموّكم ونشأتكم نشأة فطرية سليمة. لا أُخفيكم سرّاً يا أبنائي لَكم يَسعد قلبي وينشرح صدري حين يستقبلني ابني أكرم بعد يوم شاق من العمل بقبلة على جبيني، وابتسامة هادئة تنزل كالبلسم الذي يخفف همومي وينسيني كل تعبي و آلامي، وكم تتهلّل أساريري بسؤاله عن أحوالي وجلوسه بجواري ليحكي لي عن يومه كيف قضاه، لا تلهيه عني شاشة ولا صديق. أحيانا أتحرّج من طلب خدمة منه ومن أخته مخافة إزعاجهما، لكنه يفاجئني بخدماته قبل إفصاحي عن حاجتي، وحين أطلب طلبا ما يتسارع الاثنان إلى تلبيته ولا يترك أحدهما للآخر مجالا للنيابة عنه في ذلك. نعم نحن آباء ومسؤولية الأبناء تقع على عاتقنا، لكننا حينما نرتطم بأمواج الحياة ويتعبنا الخوض في غمارها، لا شيء في العالم يطبطب على جراحنا كذلك الاهتمام اللطيف من ابن بارّ، وذلك الحضن الدافئ من ابنة حنونة... يقولون إن الأم منبع الحنان، لكن أنّى لذلك النبع أن يستمر فيضه دون أن تتغلغل إليه مياه الأمطار، وأنّى للأم أن يدوم نبعها دون قطرات حنان وحب من أبنائها. فمن لنا يواسينا حين يطير الطائر من عشه، من لنا حين تبعدك عنا هموم الحياة يا ولدي، فوالله لا أرى نفسي ذلك اليوم إلا كأمَيّة الكناني (1) إذ يجلس وزوجه في ظل نخلة يبكيان شوقا لفلذة كبدهما الذي خرج غازيا في سبيل الله...
نحن يا أبنائي ورغم ارتدائنا معطف الصلابة والقوة أحوج للحنان منكم أحيانا، فلا تشيحوا قط بوجوهكم عن أب كهل أراد لكم نصحاً، ولا تقطبوا الجبين لأوامر أمّ عاشت من أجلكم، وارحموا من ربّاكم صغيرا يرحمكم الله ببرّكم كبارا..
صفق الحضور وقام الأساتذة تحية لكلماته النافذة للقلوب قبل الآذان، ثم التفت المدير لأكرم التفاتة فخر، وتوجّه صوب صفوف التلاميذ قائلا: "الله يصلحكم لوالديكم"، وكأنه يقول لهم كونوا مثل أكرم.
قام بعد ذلك زميلي أكرم بصفته ممثلا عن تلاميذ المؤسسة، ومن غيره سيلقي الكلمة؛ فهو نموذج التلميذ في الفطنة والذكاء وحسن التربية، تقدم بكل أدب فشكر الحاضرين، ثم قال:
سأضع الكلمة التي جهّزتها لهذا اليوم جانبا لأكمل الحديث في السياق الذي طرحه والدي حفظه الله، أرى في أعين الحضور نظرات فخر واعتزاز لي، وسمعت همسات الأمهات بين الصفوف يسألن أين هو أكرم الذي يصفه هذا الرجل؟ لا تبحثوا عني ولا تكبروا الأمر فإني لست معجزة، ما أنا إلا نتاج عجين عجنه والداي بحب وحكمة، تعاونا على إنشائي وتربيتي، ولم يضجرا يوما من عبء الزمن وثقل المسؤولية أمامي، لم يتبارا على من سيضحي أقل من أجلي، كنت أولويتهما وأهمّ مشروع في حياتهما، بل أهم من مشاريع أبي التجارية ومشاريع إصلاح البيت وتأثيثه التي تبدع فيها أمي. أخبَركم أبي بأني أجالسه ولا تلهيني عنه شاشة ولا صديق، وقد نسي أنه هو وأمي من علمني ذلك، فلم يتركاني يوما عرضة للشاشات أو حبيس غرفة. إن كل ما يشغل بال الآباء هو أن يوفروا لأبنائهم كل حاجياتهم لإنقاذهم من عقدة النقص، لكنكما، يا أبي ويا أمي، عملتما أكثر على إنقاذي من عقدة نقص وجودكما، شكرا لكما لأنكما كنتما لي كما تريداني أن أكون، فكنت ما أنتما عليه وما تريدان.
كثيرا ما كان زملائي يسألونني عن كيفية اكتساب شخصيتي، واليوم سأجيبكم: حكى لي أبي عن صلاح الدين الذي فتح القدس بدلا من علاء الدين الذي مسح الغبار عن المصباح وانتظر المارد لتحقيق أمانيه، وكانت أمي تقصّ على أختي سيرة أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين بدلا من أن تحكي لها عن سندريلا التي انتظرت الأمير لينقذها من حياتها البئيسة. كيف لشخصيتي أن لا تقوى بكما وأنتما لم تجعلا من معدلاتي وعلاماتي هدفا للتباهي أمام الأصدقاء والجيران فقط. حاشا للهِ أن أشيح بوجهي عنك كهلا يا أبي وأنت لم تشح بوجهك في عز انشغالك عن أسئلتي البسيطة وحكاياتي الغريبة، حاشا لله أن أقطب الجبين في حضرتك أمي وقد تحملت كل تعب الحياة وحزنها لأجلنا صابرة محتسبة، ولم تجعلينا يوما هدفا لتنفيس غضبك...
صفق الحضور لكلمته التي لامست قلوبهم ببساطتها وصدقها، ووقف المدير فخورا مبتسما والتفت إلى صفوف الآباء وقال: "الله يصلحكم لأولادكم".
توقفت لبرهة عن مراقبة الحضور، وتوقف قلمي عن لعب دور المنظار الذي يرصد مواقع النجوم، واقترض وظيفة العالِم وأخذ يحلِّل الدعاءين، فبين "الله يصلحكم لوالديكم" و"الله يصلحكم لأولادكم" أشياء لم تُقل، لم تنطقها شفاه المتحدثين، لكني سبحت بين العبارتين أقارنهما وأبحث عن أوجه التشابه بينهما، لم تكن عبارات متناقضة بل كانت مرتبطة ببعضها، تذكرت دروس الاحتمال والاستدلال وقواعده؛ وكيف تؤدي "أ" إلى "ب" وتكون "ب" نتيجة لـ"أ"، تذكرت دروس الإسلاميات وكيف كان يردد الأستاذ في حصة التفسير بعد تلاوته للآية "وكان أبوهما صالحا" قوله: "لقد حفظهما الله بصلاح والديهما"...
استغربنا دوما مثالية أكرم لكننا فهمنا اليوم أنه لم يكن سوى مرآة لأبويه، حفِظ حركات والديه وسكناتهما وقلّد أفعالهما ولم ينس أقوالهما... أدركنا أنّ السر يكمن في أن أكرم نشأ في كنف أبوين يخافان الله تعالى...
أخرجني المدير من زوبعة أفكاري، وناداني لأُسرع في تسليم التقرير لكي ينشر في موقع المؤسسة، انطلقتُ نحوه بسعادة فخورة بالفقرة الأخيرة التي حلّلتُ فيها كلماته، فجأة توقفت لبرهة وترددت في تسليمه... التفتت يمنةً ويسرةً أبحث بين الحاضرين عن أمي وأبي لكي أستشيرهما وأستفسرهما عن مدى صحة تحليلاتي، خشيةَ أن أكون مقصرة الأدب معهما بعد استشعاري كل التضحيات التي قدموها لي، تلَوْت عليهما كلماتي بلهفة وعيناي تصعد بين الحين والآخر لرؤية ردّة فعلهما، ابتسم أبي، وقالت أمي: انشريه يا ابنتي ... "الله يصلحنا ويصلحكم".
(1) كان لأمية الكناني ابن اسمه كلاب خرج للجهاد في عهد سيدنا عمر بن الخطاب، وحزن عليه أبواه، وبقي أمية يبكي لفراق ابنه حتى ابيضت عيناه، فلما بلغ الأمر سيدنا عمر أمر بإرجاع كلاب من الغزوة لتقر أعين والديه به. هي قصة مؤثرة في بر الوالدين يرجى الرجوع إليها.






