ما أجمل ترقب ضيف عزيز؛ تستقبله بقلبك وجوارحك ونبض فؤادك. وما أعظم أن يكون الضيف كريما، نقيا، طاهرا؛ فتنهض لاستقباله نهضة الشوق، وتتهيأ له تهيؤ المحب، وتحسن وفادته إحسان من يعرف للكرم قدره.
وكذلك الشأن مع رمضان؛ ذاك الضيف الذي نظل نرتقبه على مدار العام، وما يغادرنا إلا ويخلف في دواخلنا حنينا لا يسكن إلا بقدومه من جديد.
نفرح بقدومه أن أبلغنه الله الكريم، كما نفرح تعظيما لشعائر الله المتفضل الوهاب، واستنانا بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي كان يبشر بقدومه بقوله: “أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم” 1.
جعل الله بركاته مبتدأ من نور كتابه الذي أنزله في ليلة منه هي خير من ألف شهر، ثم في السكينة التي ترف على نهاره، وفي الخشوع والخضوع اللذين يعمران ليله. تراه في صدق التوجه إلى الله تعالى على وجوه الصائمين، وفي طمأنينة المصلين، وهدوء القائمين، وخشوع المتبتلين، كأنك تشهد الروح وهي تغسل من غبار العام، وتستعاد في محراب من نور، خفيفة زكية وهينة لينة.
تراه في رحمة الواصلين، وانشغال العباد بطاعة مولاهم الحق، كما تراه في بذل الباذلين، وتذلل الناسكين، وحب العاشقين، ومناجاة العابدين، وقوة المجاهدين، وعزم السالكين…
رمضان مدرسة التقوى والهدى، وسلم القرب، وموعد الارتقاء: لعلكم تتقون 2، غاية عظيمة من تشريعه، ومنها على اتساع المعنى توحيد بوصلة الأمة لتتوجه مجتمعة نحو منافسة شريفة في ميادين الخير، ومضامير الإقبال على الله تعالى، وتعظيم الوجهة الواحدة: عبادة الواحد الأحد سبحانه. ولو وعته القلوب كما ينبغي، لكان رمضان بابا يغلق على الضغائن، ونافذة تفتح على المعاني الكبرى؛ على الرحمة، والتواد، والتواصي بالحق وبالصبر.
رمضان موسم البطولات والانتصارات، يذكرنا ببدر الكبرى 3 وبفتح مكة 4، والقادسية 5، وفتح الأندلس 6، ومعارك الزلاقة 7 وحطين 8 وعين جالوت 9، وغيرها من المواقع التي أثْرت تاريخ الإسلام وأثَّرت في واقع المسلمين. معارك وإن اختلفت أزمنتها وتنوع قادتها، فإن عنوانها المشترك؛ نصرة الدين والدفاع عن الملة والتمكين للمستضعفين في الأرض في الشهر الكريم.
رمضان موسم القلوب حين تصفو، وموسم النفوس حين تزكو، وموسم الأفئدة حين تصقل، وموسم الألسنة التي تصير أرطب بذكر مولاها، وموسم الأمة حين تلتئم على خير جامع يسمو بها، لا على شتات مفرق يمزقها إلى مزع وأشلاء.
غير أن واقعنا وللأسف يشهد محاولات تريد أن توهن هذا الاجتماع، وتحول الخلاف الطبيعي إلى اختلاف يؤجج الشكوك، ويمنع الاستقرار، ويزعزع الثقة، ويستثمر التباينات لتأجيج الفرقة؛ بخطط ممجوجة قد يوظفها الأعداء، أو قد تستعمل فيها، دون وعي أو عن طمع أو هوى، أصوات من أبناء جلدتنا، أو من المتعالمين الذين يخلطون بين العلم والادعاء. فهذا يهون الثوابت أو ينكر معلوما من الدين بالضرورة، وذاك يفتح أبواب التأويل على غير هدى، فيقلب الحقائق ويجعل الدين مادة لجدل أجوف، لا يزيد الأمة إلا إنهاكا.
ومن هنا نرى مسألة رؤية الهلال وهي من قديم مسائل الاجتهاد التي وسِعت الأمة قرونا لاعتبارات فقهية وفلكية معروفة خاصة عند اختلاف المطالع، وقد صارت عند بعض الناس فتنة وميدانا للتنابز والتشاكس، وكأنها جعلت لتغري بالخصام لا لتعين على ضبط العبادة، مع أنها كانت ولا تزال اعتبارا شرعيا له مسالكه المعلومة، لا ذريعة لتمزيق الصف ولا لجرح الوحدة.
رمضان فرصتنا للمصالحة لا للمخاصمة؛ للوحدة لا للفرقة؛ لبناء الصف لا لتشتيته. هو زمن التعرض لنفحات الله وعطاياه، والارتقاء روحيا وقيميا، لا للهبوط من سامق المراتب وعالي الدرجات إلى سفوح العطالة الروحية والهوان الوجودي.
فلنصن لضيفنا حرمته، ولندخل إليه بقلوب سليمة من الأدران، وجوارح مصونة عن القبائح، وأيد ممدودة لا مغلولة. ولنجعل من اختلافاتنا آية ثراء لا وسيلة خصام، ومساحة تعارف لا ساحة تنازع، ومنافذ إلى الفهم والتنوع وجسورا إلى الوحدة والرحمة، لا معاول للهدم ولا ذرائع للفرقة؛ نرتقي بها إلى جسر فهم يضم الشتات، لا إلى معول هدم يوسع الشقاق ويعمق الجراح، ويرتقي بنا إلى معاني الفهم عن الله، لأنه تنويع من أجل الإغناء لا الإعناء، والرحمة بالأمة لا تيئيسها، وفتح باب الاجتهاد في المختلَف فيه، لتقريب الشقة لا توسيع الشقاق، حتى إذا أزف وداعه، ودعناه بأرواح أصفى، وأعمال أنقى، وأفئدة أتقى، وجوارح متحفظة عن الدنايا، ويد تنفق من الرحمة والوصال قبل المال، وتبذل من اللطف قبل العطاء؛ يودعنا وقد ترك فينا من نوره ما يهذب السريرة، ويصلح المسير، ويبقي الأثر.
ولنجل ضيفنا الكريم الذي يأتي على شوق ويذهب على عجل، إجلال من يطرق أبواب الأرواح لا أبواب البيوت، ولنستقبله كما تستقبل المواسم التي تعيد للإنسان إنسانيته، وللفؤاد بهجته، وللروح سكينتها.
ما ينبغي لضيفنا الكريم أن يتركنا كما كنا، بل مطمحنا، ومنتهى أملنا، أن يخلف فينا ودائع من نور تقيم في السرائر، وأثرا من صفاء يتهذب به القول والعمل، فنودعه على أن وداعه وعد بالثبات لا مجرد انقضاء.
#رمضان_عطاء_وارتقاء
[2] “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” سورة البقرة، الآية 183.
[3] بقيادة رسول الله صلى عليه وسلم، في السنة 2هـ من شهر رمضان، وكانت بين المسلمين وقريش، وفرق الله تعالى بها بين الحق والباطل.
[4] في رمضان من السنة 8 هـ حيث الفتح الأكبر الذي طهر الله تعالى به مكة المكرمة من الشرك وعبادة الأصنام، ومكن لعقيدة التوحيد، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
[5] ضد الفرس في رمضان من السنة 15 هـ بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
[6] بقيادة طارق بن زياد، سنة 92 هـ، وبها دخل الإسلام إلى أوربا.
[7] في رمضان من سنة 479 هـ، بقيادة يوسف بن تاشفين ومساعدة المعتمد بن عباد، أوقفت الزحف المسيحي، وحمت الأندلس من السقوط.
[8] وطأت لتحرير المقدس الشريف، وكانت بقيادة صلاح الدين الأيوبي، في رمضان من السنة 584 هـ.
[9] حيث الحد من شأفة المغول بقيادة سيف الدين قطز في رمضان من سنة 658 هـ.