رحل عنّا إلى دار البقاء أخونا زكرياء الكريبي رحمه الله تعالى رحمة واسعة دائمة، عرفته أكثر من عشرين سنة، شابّ نشأ في عبادة الله، أحبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحبّ أولياءه والمؤمنين، جعل من حياته ميدانًا للخدمة والمحبة وبذل الجهد في سبيل الله.
كان سيدي زكرياء رجل خدمة ومحبة في الله، ورجل تهمم بأمر المسلمين، كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وجدانه وحديثه؛ يحمل همَّها، ويتألم لألم أهلها، ويرى فيها قضيةً من قضايا الأمة التي لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها.
عاش في كنف الصحبة والجماعة، كان كثير الدعوة إلى تعميق معاني الصحبة في الله؛ يرى في صحبة المؤمنين خير معين على الطريق، وكان يعظّم أولياء الله والمؤمنين، ويعرف لإخوانه قدرهم، ويرى فيهم من الخير ما لا يرى في نفسه.
ومن عجيب شأنه أنه كان شديدًا على نفسه، كثير الاتهام لها؛ كان يصف نفسه بـ «الفاجرة» و«المتلوّنة»، لا تزكيةً لها ولا إعجابًا بها، بل خوفًا من الغفلة والاغترار بالنفس. وفي المقابل كان يرفع من شأن إخوانه، ويلتمس لهم أحسن ما فيهم، ويؤثر أن يرى نفسه مقصّرًا وأن يرى غيره أهلًا للفضل.
كانت مجالس العلم والإيمان عنده أكثر من موعد؛ كان انتماء روحيّا، وموطنًا للسكينة، ومجالا للذكر والمذاكرة.
حتى حين أثقله المرض، لم يكن يتخلف عن هذه المجالس، بل كان يحضرها جالسًا على كرسي، وكأن المرض يمكن أن يثقل الجسد، لكنه لا ينبغي أن يقطع القلب عن مجالس الذكر والإيمان. يسافر من بلدته ليحضر مجالس الذكر مع إخوانه، يبذل مشقة الطريق من أجل لحظات يجتمع فيها المؤمنون على ذكر الله والتهمم بقضايا أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مما أوصى به رحمه الله في صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي في 18 يونيو 2020 قوله:
يا معشر الأحباب أرجو من الكريم الوهاب أن يغفر لي كل كلمة خطتها يميني أو تلفظت بها، كنت مجانبا فيها للصواب، أو أكون قد أسأت فيها لأحد من أهل القبلة، أتوب إلى الله من كل نبرة حادة هزت كيان أحد أو كدرت صفوه، أتصدق بعرضي على كل من نال مني أو اغتابني أو رماني بسوء، فإني أرجو من الكريم الوهاب ألا يجعل لي مظلمة عند أحد. اليوم أبرأ إلى الله من كل ما خلا فيما صنعت أو اقترفت يداي أو ما تفوهت به غفلة عن الله ورسوله.
هذا عبد الله زكرياء بن عبد الله بن محمد بن العربي .. أبرأ إلى الله من كل نعرة طائفية أو دعوى مغرضة أو اثنية منتنة أو تعال على خلق الله أو غمطهم، وأبرأ إلى الله من كل طاغوت استعلى في الأرض وأظهر فيها الفساد، معاذ الله.
فإن أصبحت غدا من سكان أهل اللحود، فبما تحاببنا به وعليه (الحب في الله)، أسألكم يا معشر الصالحين أن تترحموا على هذا العبد الحقير الغافل المذنب، وأن تجعلوا له نصيبا من دعائكم إذا ترحمتم على موتى المسلمين.
وإن افتقدتموني غدا، يوم يدعى كل أناس بإمامهم، أستحلفكم بالله أن تشفعوا في هذا العبد، لعل صحبة الأجساد في دار الفناء تكون شفاعة لبلوغ صحبة الأرواح في دار الخلود.
اللهم صحبة وجماعة وصحبة في جماعة، أحيا بها وأموت عليها وأبعث عليها. اللهم صدقا في الطلب.
ومن آخر ما نشر رحمه الله على صفحته الفايسبوكية كلاما ـ كان يردده كثيرا ـ للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “ولا بد لك من صحبة، فهي أول المنهاج وآخره، والصحبة دعوتنا للعالم” (عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، الطبعة 2 السنة 2023، ص: 613).
رحم الله سيدي زكرياء، وصبّر أهله ومحبّيه، وغفر له، ورفع درجته، وأكرم نزله، وجعل القرآن أنيسه، وجعل ما كان عليه من محبة وخدمة وذكر وصحبة في الله في ميزان حسناته. آمين يارب العالمين.