من رحمة الله تعالى بالإنسان أن هداه للقرآن وعلمه البيان وبسط له سبل الهداية والرحمة، فالقرآن الكريم تبيان وتفصيل لكل شيء. هُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، واصطبغت حياة الصحابة رضوان الله عليهم بصبغة القرآن.
يقول سبحانه مبينا هذا الفضل العظيم وهذه الوظيفة الهادية المبينة: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) [النساء].
هذه إرادة الله تعالى، تبيين وتخفيف وتوبة وهداية لسننه الثابتة التي وضعها لخلقه بمقتضى حكمته وعلمه، وقوانينه الجارية التي لا تحابي أحدا، الحاكمة على حياة الإنسان والمجتمعات وحركة التاريخ والحضارات والأمم، من هذه السنن الثابتة العظيمة، سنتناول سنة الله تعالى في النصر والتمكين استرشادا وعلما، وفهما وإدراكا، ثم عملا على مقتضاها منهجا وسلوكا. انطلاقا من قول الله عز وجل في سورة النور [55]: وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ.
· فكيف نفهم هذا الوعد الإلهي؟ وهل هو وعد خاص مقصور على جيل الصحابة أم هو عام متجدد؟
· وما هي شروط تحققه، والعامل الحاسم في تنزيله؟
· وكيف نفهم سنة الله في النصر والتمكين فهما يؤهلنا لاستحقاق تنزل قدر الله على أيدينا نصرة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
لمدارسة هذه القضايا لابد أن نضع الآية في سياق الأحكام والمعاني التي وردت في السورة التي تنتمي إليها حتى يتضح مرادها ومعناها.
تميزت سورة النور المكية بمطلعها الفريد، كما يسميه سيد قطب، حيث بين فضلها وعظمتها وفرضيتها، قال سبحانه: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وذلك تهييئا للقلوب وتحفيزا للهمم حتى تتلقى أحكامها بنية التنفيذ.
ثم تميزت بتوسطها الحديث عن نور الله الذي أشرقت له السماوات والأرض حيث قال سبحانه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [35]، ثم تحدثت عن مظاهر هذا النور العظيم وعن آثاره وتجلياته على تصاريف الكون ومخلوقاته كلها، على الفرد وعلى الأسرة وعلى الجماعة المسلمة حتى وصلت إلى وعد الله بأن يعم نور الهداية الربانية الأمة بأكملها استخلافا وتمكينا وأمنا.
ثم تناولت السورة منطلق وباعث الاقتباس لهذا النور الذي هو التربية والتزكية في بيوت الله تعالى حيث يسبح الرجال الذاكرون، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ [36-37]. وعن مفتاح الاقتباس لهذا النور وهو الطاعة لله ولرسوله قال سبحانه: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ [54].
في سياق تجليات هذه الأنوار الإلهية تأتي هذه الآية المبشرة بوعد الله تعالى الذي لا يخلف الميعاد، لتقرر سنة الله الماضية في خلقه الدالة على كمال قدرته. يقول سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [55].
أورد الإمام القرطبي في ذكر سبب نزول هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم فقال عليه السلام: “لا تغبرون (تلبثون) إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة” فنزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا.
ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية المباركة مجموعة من القضايا ترتكز على ثلاث مسائل: أولا التبشير بوعد الله، وثانيا مناط تحقيقه، وثالثا حقيقته ومقتضاه.
1. التبشير بوعد الله تعالى
قال الإمام القرطبي في تفسيره للآية: “وهذا وعد لجميع الأمة..” ثم قال بعدما أورد أقوال ابن العربي والسعدي وابن عطية في المسألة: “فَصَحَّ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ”، فالبشارة بوعد الله تعالى متجددة باقية غير مقتصرة على زمان أو مكان أو جيل مخصوص. ووعد الله وبشارته تستلزم اليقين، وقد تعددت البشارات بوعد الله بالنصر في القرآن والسنة وتنوعت مصادرها وأساليبها ترسيخا لليقين في القلوب، واستنهاضا للهمم من أجل تحقيقها.
2. مناط تحقيق وعد الله تعالى
ركزت الآية على ثلاثة أمور أساسية، أولا وجود الصفوة المجاهدة، وهم الذين خصصتهم الآية بكلمة “الذين آمنوا منكم” وهذا التخصيص يدل على أنهم جماعة من المؤمنين، لا متفرقين بل اجتمعوا وتميزوا بوحدة الصف ووحدة الإرادة ووحدة الغاية. ثم بعد ذلك تحدثت الآية عن شرط الإيمان وشرط العمل الصالح. هذه الطليعة الصادقة المتحققة بهذين الشرطين هي مناط تحقيق الوعد الرباني، وهما شرطان متلازمان لا يغني أحدهما عن الآخر. يسميهما الإمام المجدد عبد السلام ياسين ضمان النجاح لمستقبل الإسلام، ويقرنهما بصفتي القبول والاحترام.
فيقول في كتاب سنة الله: “ولمستقبل الإسلام يتحتم قبول الشروط التي وضعها الله عز وجل في المجتمعات البشرية واحترام قوانينه في التاريخ والتعرض بذلك لوعده بالنصر. قبول إيماني واحترام عملي هما ضمان النجاح”. ثم يوضح السبب فيقول: “القبول الإيماني يصل دنيانا بآخرتنا ويربط مصيرنا في الآخرة بأعمالنا هنا. والاحترام العملي يثبت أقدامنا على الأرض، ويضع في أيدينا وسائل القوة التي أمِرْنا بإعدادها، ويعطينا مواصفات المؤمنين المجاهدين الذين يستخلفهم الله في الأرض ويمكنهم فيها رغم قوة من يريد أن يستَفزهم ويخرجهم منها” 1 ثم يقدم نموذجا للشخصية المؤمنة الفاعلة المتحققة بهذين الشرطين. فيقول في المنهاج النبوي: “دعاة فعلة. قلب مع الله، ولسان لاهج بذكره والثناء عليه والدعاء إليه، ويد تصنع في الطين، وفي البيئة الملوثة تصلحها، في مخلفات الفساد تميط أذاها، في المهمات الشاقة الدائبة اليومية. جهاد” 2. ومفهوم الجهاد عند الإمام لا يقتصر على معنى واحد مخصوص، بل يتميز بمعناه الشمولي دعوة وخدمة وتربية وتعليما وبناء للأمة، وبهذا يتحقق التوازن المطلوب بين شرطي الإيمان والعمل.
وقد يطرح السؤال: لماذا هذا الإلحاح على هذا التوازن والتلازم؟
يجيب الإمام المجدد منبها إلى القواعد التي ينبغي أن نحترمها في سنة النصر والتمكين فيقول: “سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنـزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها، وأعد القوة وبذل المال والنفس وحزب جند الله” إلى أن قال: “مفاتيح لأبواب السماء، بها مع الصلاة والدعاء تتنـزل السكينة وتغشى الرحمة وتَهب رياح النصر برفرفة أجنحة الملائكة” 3.
3. حقيقة الوعد الإلهي ومقتضاه
ثم تحدثت الآية عن حقيقة الوعد الإلهي ومقتضاه من خلال قوله تعالى: “ليستخلفنهم كما استخلف الذين من قبلهم”، “وليمكنن لهم دينهم”، “وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا”؛ الرابط بينها أنها وردت منسوبة إلى الله تعالى مؤكدة بجواب القسم المضمر، فهو المستخلف سبحانه وهو الممكن والمؤمن بعد الخوف، مصداقا لقوله سبحانه: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران: 126] فيحصل التعلق الكامل به والاعتماد القلبي عليه لا على الأسباب رغم ضرورتها، ويترسخ اليقين الكامل بالله والثقة به سبحانه وكمال حسن الظن به، فلا يستعجل النتائج ولا ييأس إن تأخر النصر، ولا يظن بالله الظنون مع ضغط الأحداث، بل يصبر موقنا بوعد الله، ويقول كما قال سيدنا موسى: كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ويقول كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا. يقول سبحانه مبينا ثمرة اليقين والصبر في استخلاف من قبلنا: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24].
مقتضى الاستخلاف: قال ابن كثير: “أن يجعلهم خلفاء في الأرض”، ويعرفه العلماء بالقدرة على العمارة والإصلاح. والقدرة على العدل والطمأنينة. والقدرة على الارتقاء بالنفس البشرية والنظام البشري. وغايته تحقيق النهج الذي أراده الله والعدل الذي أراده الله والسير بالبشرية في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.
مقتضى التمكين للدين: في معاجم اللغة يختلف التمكين عن النصر وسائر الألفاظ الدالة على القوة والغلبة، فالتمكين يطلق على الثبات والاستقرار والتحكم والقدرة والرسوخ وتبوّء المكانة العالية، وقد تلازمت معانيه اللغوية واستعمالاته القرآنية، وخلاصتها في هذا الموضع أن يكون للدين مكانة عالية في حياة الناس في مختلف تجلياتها. يبين سيد قطب مقتضى هذا التمكين فيقول: “وهذا التمكين يتم بتمكينه في القلوب وفي تصريف الحياة وتدبيرها” ويبين الإمام المرشد حقيقته في المنهاج النبوي فيقول: “حقيقة التمكين في الأرض أن تكون الدولة والسلطان بيد رجال الدعوة الساهرين على الدين، القائمين بالقسط. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حالة التمكين تصرف متكامل شامل بيدي القرآن والسلطان، بالترغيب والترهيب، بالتطوع والطاعة” 4.
وهنا لا تفوتني إشارة لغوية مهمة ذكرها ابن عاشور في التحرير والتنوير يقول فيها: “مقتضى الظاهر أن تقول وليمكنن دينهم لهم لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقا من مفعول الفعل، فقدم لهم لإظهار العناية بهم بأن يكون التمكين لأجلهم”.
مقتضى الأمن بعد الخوف: يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله: “أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف”. “أمنا” الطمأنينة والسلامة والأمن من عذاب الله، ويقصد به السكينة التي يلقيها الله في قلوب المؤمنين ولو كانوا في معمعان الجهاد. والأمن دلالة على تمام النعمة بالهداية الكاملة، وهو جزاء عمق الإيمان والصدق مع الله يقول تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: 82]. “بظلم” أي بشرك، ولذلك جاء في وصفهم بعده “يعبدونني لا يشركون بي شيئا” وهي دلالة على كمال العبادة وتمام الوجهة إليه فلم تشغلهم النعم عن المنعم سبحانه، ولم تغير المناصب والمغانم والمكاسب صفة العبودية لله فيهم بعد التمكين.
وقد حذر الحق عز وجل الإنسان من حالة الطغيان والغرور التي قد تصيب النفس بعد التمكن فقال: إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ [العلق: 7-6] ولذلك ختمت الآية بقول الله تعالى: “ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” وهو وعيد في صيغة تحذير تحصينا لهم وتنبيها وتوجيها.
بعد الاطلاع على معاني الآية الكريمة وما تضمنته من دلالات ودروس وقواعد على مقتضاها تتحقق سنة الله في النصر والتمكين، فإنه يترتب على ذلك أمانة ومسؤولية الإعداد والاستعداد، بما يؤهلنا لاستحقاق تنزل قدر الله ونصره.
ومما يتطلبه هذا الإعداد استنادا إلى ما سبق ثلاثة أسس:
1. بناء الجماعة المجاهدة المقتحمة: محل تنزل وعد الله مع وضوح الغاية والمنهج والسبيل. مهمتها استفراغ الوسع في إعداد العدة بكل تخصصاتها التربوية والتنظيمية والفكرية… يقول الإمام المرشد: “الطليعة الشجاعة ينبغي أن تخطط للمستقبل، حتى يصبح توتر الأمة نحو المستقبل إرادة واعية لا حماسا حالما..” 5.
2. القيادة الربانية: بما جمع الله لها من إمامة في الدين وحكمة في القيادة، وبما تبثه من أنوار الإقبال على الله وطلب وجهه وتصحيح القصد والنية والسلوك وبعث الإرادة الجهادية واليقين بوعد الله تعالى، وحكمة التخطيط، ووحدة الصف.
3. التربية الإيمانية: أساس البناء وجوهره وروحه، وهي العامل الحاسم في المعادلة. يقول الإمام المجدد رحمه الله في المنهاج النبوي: “التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية” 6.
ثم يصف رحمه الله تأثير اجتماع ربانية القيادة مع التربية الإيمانية في إطار جماعة مجاهدة مقتحمة: “رأينا أن الإيمان يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله، فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله” 7.
بنورانية الصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة ونورانية ذكر الله وصدق الإرادة لطلب وجه الله مع بذل الوسع الصادق لإعلاء كلمة الله ونصرة دين الله، تجتمع عوامل سنة نصر الله تعالى، وتحصل كرامة التوفيق وبشارة الاستحقاق لوعد الله.
هذا قدر الله ينادينا، وهذا وعد سنة الله ينهضنا، وهذه بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبشرنا، في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت” رواه الإمام أحمد.
فهل نقعد متحججين بضعف الأمة واستضعافها وقوة أعدائها وطغيانهم بتكاثر الأموال وكثرة النفير، أم نقوم لله تحفزنا الثقة بالله واليقين بوعده وبشارة نبيه إلى النهوض للإعداد والاستمداد والجهاد والاجتهاد متوكلين على الله بناء وتربية، دعوة وفعالية في الميدان، طلبا لوجه الله ونصرة لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نعمة ذلك ويجعل أعمالنا كذلك. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط2022/5، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستنبول، ص 224.
[3] عبد السلام ياسين، سنة الله، ص: 9.
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 418.
[5] المصدر نفسه، ص 199.
[6] المصدر نفسه، ص 71.
[7] المصدر نفسه، ص 72.