المقدمة
تشكل العلاقة بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحًا في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، حيث ظلت محل جدل واسع في الصالونات السياسية والمجالس الفكرية 1. ولا يقتصر هذا النقاش على مجرد تنظير سياسي مجرد، بل يتعلق بصراع بين فلسفات مختلفة حول كيفية حكم البشر وإدارة شؤونهم اليومية.
يأتي هذا البحث ليقدم قراءة تحليلية لهذه الإشكالية من خلال دراسة مقارنة بين تيارين فكريين متباينين: الأول يمثله الإمام عبد السلام ياسين (2012-1928)، مرشد ومؤسس جماعة العدل والإحسان المغربية، الذي خصص مؤلفات عديدة لهذا الموضوع 2، والثاني يمثله المفكر المصري العلماني سيد القمني (1947-2022)، الذي شن هجومًا نقديًا حادًا على مفاهيم الشورى والحكم الإسلامي 3.
أولاً: الإطار المفاهيمي: السياق والمساق
1. سياق الشورى
يؤسس عبد السلام ياسين في تحليله لمفهوم الشورى على أنها ليست مجرد آلية سياسية إجرائية، بل هي جزء من نسق إيماني شامل. ويستدل ياسين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون﴾، مشيرًا إلى أن الآية الكريمة حصرت الشورى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مما يجعلها مرتبطة عضوياً بالمسؤولية الأخلاقية أمام الخالق 4. وبالتالي، فإن الشورى في هذا التصور لا يمكن فصلها عن “سياقها” الإيماني لتتحول إلى إجراء إداري بارد، بل هي تعبّد سياسي يخضع لضوابط الوحي.
2. مساق الديمقراطية
على النقيض من ذلك، يُعرّف “مساق الديمقراطية” بأنه المسار التاريخي والعقلاني الذي نشأ في الحضارة الغربية. فقد نشأت الديمقراطية كنظام لتنظيم المصالح المادية البحتة، متجاوزةً المراحل التاريخية منذ أثينا القديمة مروراً بصراعات أوروبا وصولاً إلى الثورة الفرنسية وعصر التنوير 5. ويتميز هذا المساق بفصل الدين عن الدولة (اللائكية)، حيث يعتمد على “كود برمجي” مادي بحت يهدف إلى إدارة الشؤون الأرضية وتقليل الصراعات بين البشر دون اكتراث للجانب الروحي 6. ويشير الناقدون إلى أن محاولة استيراد هذا المساق وتطبيقه على مجتمعات تشغلها الأسئلة الغيبية يولد صراعاً بين منظومتين مختلفتين في الغاية واللغة 7.
ثانياً: تيار النقد المتضاد بين العلمانية وما يعرف بالسلفية
يتقاطع النقد الموجه لمفهوم الشورى والديمقراطية من اتجاهين متعارضين، مما يشكل ما يمكن وصفه بـ”كماشة الانتقادات”.
1. النقد العلماني: سيد القمني وأنموذج الاستبداد
يمثل المفكر المصري سيد القمني نموذجاً بارزاً للنقد العلماني الجذري. في كتابه “الدولة المسلمة للخلف در”، يهاجم القمني فكرة جعل الشورى بديلاً للديمقراطية، معتبراً إياها مجرد “مخاتلة لغوية” 8. ويجادل القمني بأن الشورى تاريخياً لم تتجاوز كونها “نصيحة غير ملزمة” يقدمها شيخ القبيلة أو النخبة للحاكم، دون أن تمتلك العامة أي دور رقابي أو صوت فعلي 9. ويرى أن استخدام مصطلح الشورى في العصر الحديث هو مجرد غطاء ديني لتبرير الاستبداد وإلباسه ثوباً شرعياً، في حين أن الديمقراطية توفر آلية واضحة لحكم الشعب للشعب تمنع انفراد الحاكم بالسلطة 10.
2. النقد الكلاسيكي (السلفي): إشكالية الحاكمية والتشريع
في المقابل، يوجه تيار كلاسيكي (غالباً ما يصف نفسه بالسلفي) نقداً لاذعاً للديمقراطية الغربية. ويتمحور هذا النقد حول فكرة “الحاكمية”، حيث يُعتبر منح حق التشريع المطلق للبشر عبر البرلمانات تناقضاً جوهرياً مع فكرة أن التشريع حق لله وحده 11. كما ينتقد هذا التيار مبدأ “تسوية الأصوات” في الانتخابات، متسائلاً عن كيفية مساواة صوت العالم المتخصص بصوت الجاهل أو الفاسق، معتبرين أن ذلك يؤدي إلى صعود شخصيات غير كفؤة لتقرير مصير الأمة 12.
ثالثاً: مشروع عبد السلام ياسين التوفيقي: الآليات والغايات
في مواجهة هذا الاستقطاب، يقدم الإمام عبد السلام ياسين مشروعاً توفيقياً لا يدعو إلى القطيعة التامة مع الديمقراطية، بل إلى “عملية جراحية دقيقة” تفصل بين المفهوم والآلية.
1. استعارة الآليات “بدون غصة”
يقر ياسين بضرورة التعلم من المنجز البشري الغربي، مستخدماً تعبير “التعلم من الديمقراطية بلا غصة”، أي بدون عقدة نقص أو حرج 13. ويدعو إلى استعارة الآليات المادية التي أثبتت كفاءتها، مثل: صناديق الاقتراع، التداول السلمي للسلطة، فصل السلطات، وتحديد الفترات الرئاسية 14. غير أن هذا الاستعارة مقترنة برفض قاطع للفلسفة اللائيكية التي تقف خلف هذه الآليات.
2. إشكالية السيادة والحاكمية
لمعالجة التعارض بين سيادة الشعب في الديمقراطية وحاكمية الله في الإسلام، يفصل ياسين بين المفهومين. فالحاكمية، أي المرجعية العليا للتشريع والسقف الأخلاقي هي لله وحده، ولا يجوز لأي أغلبية برلمانية مخالفة النصوص القطعية 15. أما السيادة، أي السلطة التنفيذية الإجرائية واختيار الحاكم ومحاسبته فهي للأمة بالكامل، تمارسها عبر الآليات الديمقراطية الحديثة 16.
3. مؤسسة أهل الحل والعقد
ولمعالجة إشكالية النخبة التي أثارها القمني، يقترح ياسين تحويل مؤسسة “أهل الحل والعقد” من تعيينات فوقية إلى نظام مؤسساتي ملزم وشفاف 17. فيطرح أن يكون اختيار هؤلاء عبر آليات انتخابية نزيهة، ليمثلوا فلاتر من الكفاءة التقنية والأمانة الأخلاقية، تضمن أن القرارات الاستراتيجية لا تخضع لتقلبات المزاج الجماهيري أو سطوة المال السياسي 18.
رابعاً: التطبيقات العملية: الميثاق والعمران
ينتقل الفكر الياسيني من التنظير إلى التطبيق عبر أدوات عملية لمواجهة التمزق المجتمعي.
1. الميثاق الإسلامي
يعتبر “الميثاق الإسلامي” تعاقدًا سياسيًا واجتماعيًا يجمع كل الفاعلين في المجتمع، بما فيهم العلمانيون واليساريون الذين يصفهم ياسين بـ”الفضلاء الديمقراطيين” 19. الهدف ليس فرض الرؤية الدينية، بل الاتفاق على أرضية مشتركة لمواجهة الاستبداد والتخلف، والتأسيس لدولة يحكمها القانون 20.
2. العمران الأخوي
يتجاوز مفهوم “العمران الأخوي” فكرة المجتمع المدني القائمة على العقود الباردة، ليرتكز على “وازع القرآن” أي الضمير الأخلاقي الداخلي 21. ورغم عدم إلغاء دور القانون أو “وازع السلطان” كرادع، فإن الغاية هي بناء مجتمع يتماسك عبر التراحم والتكافل، مما يجعله أكثر مرونة وقدرة على الصمود في الأزمات مقارنة بالمجتمعات التي تتماسك خوفاً من العقاب فقط 22.
خامساً: العدل كمعيار حاسم للنجاح
يؤكد ياسين في “نظرية المنهاج النبوي” أن العدل ليس تفصيلاً جانبياً، بل هو “أم المصالح” وقلب القضية 23. وينتقد الديمقراطية الليبرالية إذا ما كرست الفوارق الطبقية وسمحت بزيادة ثراء الأغنياء بينما يغرق الفقراء في البؤس، واصفاً إياها بأنها “ركام وظلام” إذا فشلت في تحقيق العدالة 24. وبالتالي، فإن معيار نجاح أي نظام (شورى أو ديمقراطية) هو قدرته الفعلية على رفع الظلم الاقتصادي والاجتماعي عن المستضعفين، وتوفير الكرامة والمعاش، قبل أي تنظير سياسي 25.
الخاتمة:
نخلص إلى أن الإشكالية بين الشورى والديمقراطية تتجاوز الخلاف الإجرائي إلى تباين فلسفي بين “سياق” إيماني و”مساق” علماني. وبينما يرى النقد العلماني (كالقمني) في الشورى غطاءً للاستبداد، ويرى النقد السلفي في الديمقراطية تناقضاً مع الحاكمية لله، يقدم مشروع عبد السلام ياسين نموذجاً تركيبياً يستعير الآليات الديمقراطية ويفرغها في سياق أخلاقي إسلامي. غير أن هذا البناء النظري يبقى رهيناً بتحقيق “العدل” الاجتماعي والاقتصادي على أرض الواقع، الذي يعد البوصلة الحقيقية لنجاح أي تجربة سياسية.
[2] نفسه، 20.
[3] سيد القمني، الدولة المسلمة للخلف در (القاهرة: مؤسسة هنداوي ، 2020) ، 30.
[4] ياسين، الشورى والديمقراطية،25.
[5] القمني، الدولة المسلمة للخلف در، 45.
[6] ياسين، الشورى والديمقراطية، 30.
[7] نفسه، 35.
[8] القمني، الدولة المسلمة للخلف در، 48.
[9] نفسه، 50.
[10] نفسه، 52.
[11] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم (الدار البيضاء: دار التقوى، 2000)، 115.
[12] نفسه، 118.
[13] ياسين، الشورى والديمقراطية، 65.
[14] نفسه، 70.
[15] ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، 125.
[16] نفسه، 128.
[17] ياسين، الشورى والديمقراطية، 85.
[18] نفسه، 88.
[19] ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، 200.
[20] نفسه، 205.
[21] ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا. الدار البيضاء: دار التقوى1997.،) 310
[22] نفسه، 315.
[23] ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، 50.
[24] نفسه، 55.
[25] نفسه، 60.