أصدر البنك الدولي تقريرا شاملا عن النمو والشغل في المغرب تحت عنوان “تسلق الأطلس: نمو وشغل من أجل مغرب مزدهر” 1، يرسم من خلال عشرات المؤشرات والنماذج الاقتصادية صورةً مقلقة لواقع الشباب المغربي في سوق العمل. فعلى الرغم من الزخم الديموغرافي الذي يتمتع به المغرب، والاستثمار الحكومي المتراكم في قطاعي التعليم والتكوين على مدى عقدين، يجد جيل كامل من الشباب نفسه في مواجهة سوق عمل ضيق المداخل، متردد الأجور، ومثبط للطموحات. ويحذر التقرير من أن هذه الفجوة المتسعة بين ما أنتجه النظام التعليمي وما يستوعبه الاقتصاد الوطني تُشكّل تهديداً حقيقياً لفرصة تاريخية لا تتكرر، وهي الريع الديموغرافي الذي تبدأ نافذته في الإغلاق بعد عام 2030.
ربع الشباب المغربي لا يتعلم ولا يعمل
يعد مفهوم “النيت NEET” أي الشباب الذي لا يعمل ولا يتعلم ولا يتدرب من أكثر المؤشرات دلالة على خطورة الوضع، لأنه يجسد حالة من الإقصاء المزدوج عن مسارين يفترض أنهما المدخل الطبيعي إلى الحياة المنتجة.
كشف التقرير أن ما يقارب ربع الشباب المغربي في الفئة العمرية 15–24 عاما يقع في هذه الفئة، في ظل سوق شغل لا يوفر لهم سوى “مسالك رسمية نادرة” للاندماج. ويضاف إلى هذا المعطى أن معظم من يقعون في هذه الخانة ينتمون إلى الوسط القروي، مما يجعل الظاهرة مركبة: هي في آن واحد أزمة جغرافية واجتماعية. وينبه التقرير إلى أن برامج التشغيل القائمة لم تصل بعد إلى هذه الشريحة بالذات، إذ صممت في معظمها لخدمة الشباب الحضري الحامل لشهادات متوسطة أو عليا، تاركة الفئة الأكثر هشاشة خارج دائرة الدعم.
نصف الخريجين عاطلون بعد عام من التخرج
من أبرز المعطيات التي يرصدها التقرير ما يكشفه تحليل البيانات اللوحية لمسح التشغيل الوطني الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط: أن البطالة هي المآل الأول للشباب المغربي بعد مغادرة المدرسة مباشرة، إذ تتراوح نسبة العاطلين بعد عام واحد فقط من الخروج من منظومة التعليم بين 48 و49 بالمئة. الأدهى أن التشغيل الرسمي لا يستوعب سوى 10 بالمئة فقط من الخريجين الشباب، بينما يلجأ الشباب الذكور بنسب أعلى إلى العمل غير المنظم (21 بالمئة) أو العمل الحر المصنف في معظمه ضمن القطاع غير الرسمي (13 بالمئة).
أجور الدخل: بين الإحباط والإقصاء
حين يتمكن الشاب المغربي أخيرا من اجتياز عتبة سوق العمل الرسمي، يجد نفسه أمام متوسط أجر لا يتجاوز 108 دراهم يوميا وفق بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، وهو أجر شهد تراجعا في قيمته الحقيقية منذ 2019 بفعل الضغوط التضخمية والعوامل الهيكلية في سوق الشغل. أما في القطاع غير المنظم -حيث تبدأ معظم المسارات المهنية للشباب- فالأوضاع أكثر هشاشة وأقل استقرارا. ويشير التقرير إلى أن انتقال العامل من القطاع غير الرسمي إلى الرسمي يقابله علاوة أجرية تفوق 50 بالمئة، وهو فارق شاسع يجعل من التشغيل الرسمي وجهة يتطلع إليها الجميع، لكن لا يصل إليها إلا القليل.
يزداد المشهد تعقيدا حين نأخذ بعين الاعتبار الهوة الأجرية القائمة بين القطاعين العام والخاص؛ إذ أظهر التقرير، أن أجور القطاع العام تفوق نظيراتها في القطاع الخاص بأكثر من 20 بالمئة، وهو ما يدفع شريحة واسعة من الشباب المتعلم إلى الانتظار أمام أبواب التوظيف العمومي، رغم أن هذا الأخير بات عاجزا عن استيعاب الأفواج المتزايدة من الخريجين. وتشير البيانات إلى أن هذا الأثر يطال النساء بصورة خاصة، نظرا لكون التوظيف في القطاع العام يعد اجتماعيا أكثر قبولا، وأكثر توافقا مع المسؤوليات العائلية في السياق المغربي.
شهادات دون وظائف: أزمة التعليم والتشغيل
يسجل التقرير مفارقة لافتة تقع في صميم الأزمة الهيكلية للمغرب: فمنذ عام 2000، تراجعت نسبة من لا يحمل أي شهادة في صفوف السكان النشيطين إلى النصف، وتضاعفت نسبة حاملي شهادات التعليم الثانوي، وبلغت نسبة حاملي شهادات التعليم العالي ما يقارب ثلاثة أضعاف ما كانت عليه. بل إن الفجوة بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم العالي قد انعكست تماما، وباتت النساء الشابات أكثر حضورا من الرجال في الجامعات المغربية.
غير أن هذه القفزة التعليمية المتراكمة لم تقابلها قفزة موازية في سوق الشغل؛ فـ43 بالمئة من خريجي التعليم العالي يشغلون اليوم وظائف أدنى من مستوى تكوينهم -مقارنة بـ34 بالمئة فقط عام 2019- كما أن 70.7 بالمئة من خريجي التكوين المهني العالي يعانون من الوضع ذاته. ويذهب التقرير إلى أن السبب الجوهري لهذا الخلل ليس في جانب العرض التعليمي وحده، بل في طبيعة الطلب على العمل ذاته: فأكثر القطاعات توظيفا في المغرب تنشئ وظائف متدنية أو متوسطة المهارة، ومن اللافت أن ثمة ارتباطا إحصائيا بين نمو التشغيل القطاعي وتصاعد نسب عدم الملاءمة في المهارات، مما يعني أن الاقتصاد ينمو في الاتجاه الخطأ مقارنة بمنظومة التكوين. والخسارة الفردية واضحة رقميا: الوقوع في التوظيف دون المستوى يخفض الأجر بنسبة 20 بالمئة، ويصل الخفض إلى 30 بالمئة حين يضاف إليه العمل خارج مجال التخصص، وهو ما يعني في المحصلة تبديدا مزدوجا: خسارة فردية في الدخل، وخسارة مجتمعية في العائد على الاستثمار الحكومي في التعليم.
الجفاف يضرب الشباب الريفي أولاً
من الزوايا التي يبرزها التقرير بشكل لافت، الأثر المضاعف لتغير المناخ على شباب الأرياف المغربية، في زاوية نادرا ما تدرج ضمن تحليلات التشغيل التقليدية. فبين عامي 2015 و2024، فقد الريف المغربي 1.2 مليون فرصة عمل، أي ما يعادل انخفاضا نسبته 23 بالمئة، وذلك جراء تصاعد وتيرة موجات الجفاف وحدتها. وأظهرت التقديرات المستخلصة من نماذج الفروق المزدوجة المطبقة على بيانات المسح الوطني للتشغيل أن نوبات الجفاف تقلص توظيف الشباب بأكثر من 4 بالمئة، وتخفض توظيف النساء بقرابة 10 نقاط مئوية، مع تأثيرات أشد وطأة على غير المتعلمين وهم الفئة الأكثر هشاشة أصلا. والمسار الذي يسلكه هؤلاء بعد فقدان العمل الزراعي يسير في الغالب نحو العمل غير المنظم في المدن الكبرى، لا سيما قطاع الخدمات ذات الإنتاجية المنخفضة، حيث تؤمن الوجهات الأربع الكبرى — الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة — 62 بالمئة من مجموع التشغيل الوطني. وتحذر توقعات البنك الدولي من أن هذا النزوح المناخي المستمر سيطال ما يقارب 1.9 مليون عامل إضافي في العقود المقبلة، إن لم تواكبه سياسات إدماج مصمَمة خصيصا لهذه الفئات.
نافذة ديموغرافية على وشك الإغلاق
يطلق التقرير تنبيها استراتيجيا واضحا يشكل الخلفية الكاملة لكل ما سبق: المغرب يمر بمرحلة ذهبية ديموغرافية تبدأ في الأفول بعد 2030، حين ترتفع نسبة الإعالة ويبدأ حجم الفئة العمرية 15–34 في التقلص، وتتصاعد تدريجيا حصة المسنين. وهذا يعني أن الفرصة السانحة لتحويل هذا الحجم من القوة العاملة الشابة إلى محرك للنمو لا تزال قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. وإذا لم تترجم هذه الطاقة البشرية الكامنة إلى إنتاجية فعلية واندماج حقيقي في سوق العمل، فإن ما يفترض أن يكون “ريعا ديموغرافيا” سيتحول إلى عبء يثقل كاهل الاقتصاد.
بماذا يوصي التقرير؟
تتمحور توصيات التقرير المتعلقة بالشباب حول عدة محاور متكاملة، يصعب الفصل بينها. فمن جهة، يوصي بتوسيع ولوج الشباب غير المنتظم في مسارات التكوين والتشغيل -لا سيما من لا يحملون شهادة ما بعد الثانوي وسكان الأرياف- وبإصلاح جذري للتوجيه المهني بحيث يرتكز على بيانات التشغيل الفعلية لا على المعطيات المؤسسية التقليدية.
من جهة أخرى، يدعو إلى مواءمة برامج التكوين المهني مع الطلب الحقيقي للمقاولات عبر آليات التصميم المشترك مع القطاع الخاص، وتمكين وكالة الإنعاش الوطني للتشغيل والكفاءات (ANAPEC) من تقديم دعم فردي ومخصص يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الجغرافية والاجتماعية لكل فئة، بدلا من الاكتفاء بخدمة الباحثين الحضريين من حاملي الشهادات. ويشير التقرير بإيجابية إلى خارطة الطريق الوطنية للتشغيل التي أطلقتها الحكومة المغربية مطلع 2025 باعتبارها استجابة واعية بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح، لكنها تصطدم بالتحدي الأكبر المتمثل في التنفيذ والتنسيق بين المؤسسات القائمة.