صراع الرموز.. كيف غيرت “التربية على التطبيع” المناهج المدرسية المغربية عبر “الاستبدال الوجداني”؟

Cover Image for صراع الرموز.. كيف غيرت “التربية على التطبيع” المناهج المدرسية المغربية عبر “الاستبدال الوجداني”؟
نشر بتاريخ

كشف التقرير الرصدي الذي أصدرته الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، عن عملية إعادة “ترتيب سلم الرموز في المخيال الجمعي الناشئ” داخل المنظومة التعليمية المغربية، من خلال ما وصفه بـ”استبدال مواقع الرموز في اللاوعي التربوي” في سعي حثيث وفق ما يمكن تسميته سياسة “التربية على التطبيع”.

وُقّعت اتفاقية التطبيع رسمياً في دجنبر 2020، ومنذ الأيام الأولى اهتم الكيان الصهيوني بتوسيع مجالات الاختراق والتطبيع عبر خطوات سريعة وعملية ارتقت إلى أسماه فاعلون مغاربة “تسونامي”، طال المستويات الثقافية والتعليمية والأكاديمية، ومست المناهج والبرامج الدراسية.

تغيير طبعات مدرسية كاملة لإضافة عبارة “يهودي مغربي” فقط

هذا المشروع، الذي يستهدف “صناعة أجيال تتبنى سرديات الكيان وتتشبع بمواقفه، مع طمس هويتها وانتمائها الديني والحضاري”؛ أحدث “انزياحا مركزيا” في المحتوى القيمي، حيث أدرج التراث اليهودي المغربي بصيغة احتفائية لفسح المجال لـ “الجرثومة الصهيونية” في مقابل تغييب شبه كامل للقضية الفلسطينية.

تقرير الهيئة يكشف معطيات صادمة، عن تغيير طبعات مدرسية بأكملها من أجل “إضافة عبارات مخصوصة فقط”، حيث شملت الزيادة في كثير من المضامين إضافة عبارة “وهو يهودي مغربي” فقط، من غير تغيير في باقي المكونات مع الادعاء أنها طبعات مزيدة ومنقحة.

احتفت المقررات الجديدة بشخصيات يهودية قديمة ومعاصرة، مثل إدراج صورة ونص المسرحي “Gad Elmaleh” في كتاب اللغة الفرنسية للمستوى الخامس، كما أُقحم نص سماعي في مقرر السنة الرابعة ابتدائي بعنوان “ميمونة”، وهو نص “يتحدث عن مشاركة أسرة مسلمة جارتها اليهودية في الاحتفال بطقس ميمونة” كما نصت عليه “الأصول التوراتية”.

بالمقابل، جرت “إزاحة تدريجية لفلسطين من المقررات”، حيث حُذفت نصوص “كانت تحكي عن شجاعة طفل فلسطيني يواجه دبابة الاحتلال بالحجارة”. كما اختفت صور “المسجد الأقصى والعلم الفلسطيني” من الكتب المدرسية، ليحل محلها “محتوى عائم وهلامي يتحدث عن قيم التضامن مع ضحايا الزلازل أو الأطفال الفقراء”.

تزييف الإدراك وإعادة برمجة العقل الجمعي

واسترسل التقرير موضحا أن القائمين على هذه المراجعات فرّغوا “الذاكرة اللغوية للتلميذ من المفاهيم المرتبطة بالمقاومة والتحرر”، وأقاموا محلها مصطلحات “صفرية خالية من أي انتماء”. كما محوا تدريجياً استخدام عبارات مثل “شهيد، احتلال، مقاومة، جهاد”، واعتمدوا كلمات “ذات طابع فضفاض وملتبس مثل: السلام، التعايش، المواطنة الكونية”.

وسجلت الهيئة ما قالت عنه “انحرافا خطيرا بالمعجم عن المعاني الأصلية” في بعض المواد التعليمية، ومن أمثلة ذلك توظيف “مصطلح أورشليم بدل القدس”، وهو لفظ “ذو مرجعية توراتية يشرعن رواية العدو ويفكك ارتباط المتعلم بجدوره الحضارية”.

ونبه التقرير إلى إدراج مصطلح “دولة إسرائيل” بتعبير رسمي دون تأطير أو تنصيص في الكتب المدرسية، مما يساهم في “تزييف الإدراك وإعادة برمجة العقل الجمعي”، وانتقل ذلك من الورق إلى الميدان عبر اتفاقيات تضمن في زعم القائمين على هذه المشاريع “تعميم أندية التسامح والتعايش” التي تفرض “انفتاح المدرسة المغربية على مؤسسة بيت الذاكرة”.

وعلى هذا الأساس نُظّمت “زيارات ميدانية لتلاميذ المدارس” إلى معالم يهودية، ضمن مشروع هذا الإدماج الفج للتراث اليهودي في المناهج، بهدف “إعادة تشكيل هوية مستلبة وترسيخ قيم مشوهة” تُغيب الطرف الآخر من الصراع التاريخي والوجودي.

وأشار تقرير الهيئة إلى أن التقارير الدولية التي رصدت المقررات المغربية، أكدت أن المناهج المغربية “لم تعد تتضمن خطاباً عدائياً تجاه إسرائيل”، إلى درجة أن ماركوس شيف، الرئيس التنفيذي لمعهد (IMPACT-SE) قال: “لقد أذهلنا هذا الاحتضان الفريد لليهود واليهودية في المناهج المدرسية المغربية التي تم إصلاحها”.

ما يجري هو انخراط صريح في مشروع عميق لإعادة تشكيل وعي الناشئة

مضى التقرير يوضح كيف توظَّف آليات الاختبارات والامتحانات الإشهادية، لصنع “ثقافة منفعية” لدى المتعلم عبر منح “الأفضلية للإجابات التي تقدم مواقف إيجابية ومسالمة” تجاه الآخر دون تسمية الاحتلال، حيث أصبح يكافأ على صيغ مثل: “الخلافات تُحل بالحوار دائمًا، وضرورة القبول بالآخر والتعايش معه”، بينما تُحاصر العبارات التي تُسمّي الاستعمار والاستيطان بوصفها “لغة حادة”.

وبهذا يوضع التلميذ المغربي في حالة “سيكوزوفرينيا وجدانية”، حيث يُخيّر بين “الإجابة بما تبتغيه مؤسسة التقويم وتختاره، وبين مواقفه وقيمه الأصيلة”.

وخَلص التقرير إلى أن المدرسة المغربية صارت “رهينة وجزءاً من التزامات سياسية ودبلوماسية”، في حين شدد على أن ترك المجال لهذا الاختراق والقبول به سيحول التطبيع من سياسة ظرفية إلى “بنية ذهنية ووجدانية تتشربها الأجيال منذ نعومة أظافرها”.

وقطعت الهيئة أمرها بأن بعض المعاينات في مناهج التعليم الثانوي كشفت حقائق صادمة؛ مفادها أنّ ما يجري “ليس مجرد إصلاح بيداغوجي أو تحديث تقني”، وإنما يرقى إلى أن يكون “انخراطا صريحا في مشروع عميق لإعادة تشكيل وعي الناشئة وفق إملاءات سياسية وثقافية عابرة للحدود”.