من حكمة ربي وكرمه وإحسانه أن فضل بعض مخلوقاته على بعض، وفضل أماكن على أخرى، وفضل أزمنة على غيرها ليضاعف لعباده الأجر والمثوبة، ويحثهم على فعل الخير والطاعات. فمن أيام الله فضل يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، ومن شهوره اختارني أنا “رمضان” لأكون أفضلها.
أنا التاسع بين إخوتي الإثني عشر في التقويم الهجري، معنى اسمي اشتق من “الرمضاء” وهو شدة الحر، وقيل بسبب أن صيامي يأتي في وقت شديد الحر، وقيل أيضا لأنني “أرمض” الذنوب أي أحرقها بالأعمال الصالحة.
أجمع شتات الأسر والعائلات على الموائد بعد التفرق، توقد مصابيح المساجد وتتلاقى القلوب في صلاة التراويح، أنا الذي أقلب موازين حياتكم، ثم أعيد ترتيبها وأرتب أولوياتكم.
أنا ضيف كريم ليس كباقي الضيوف، أكرمني الله بفضل عظيم، في أنزل كلام ربي وقرآنه العظيم، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (البقرة: 185).
وفيّ أيضا عشر أيام مباركات لها مكانة تفوق ما قبلها، كان نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها وكذلك صحابته الكرام، فيها ليلة مخفية هي جوهرة الليالي، قد تعدل عمر إنسان بأكمله، قدَّرها العلماء بثلاث وثمانين سنة (83) وثلاثة أشهر، وصفها ربي بأنها خير من ألف شهر، قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (القدر: 1-2)، وأعظم بها من ليلة، تختم بليلة الجائزة الكبرى ليلة العيد، حيث يوفي الله عباده أجورهم ويعتق رقابهم، وهي إما قبول ورضى، أو حسرة وندامة.
ألا ترى أيها العبد أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي أضافها ربنا سبحانه إلى نفسه، أي فضل وأي كرم هذا، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” (متفق عليه).
من بركات هذا الشهر العديدة كذلك أن صفد الله الرحيم الرحمان فيه مردة الشياطين ليعين عباده على فعل الطاعات، وغلق أبواب النيران، وفتح أبواب الجنان.
فيّ تهذب النفوس وتتخفف من أثقالها، بل أنا مدرسة التزكية، في نهاري الصائم يتعلم الصبر، وقوة الإرادة، والتحكم في أهواء النفس، وشهوات البطن، ولتدركوا قيمة النعم، وفي ليلي يقوم بين يدي ربه يعبده ويناجيه فتصفو روحه ويقوى إيمانه.
أنا شهر الكرم والجود، يتسابق الصائمون في إلى فعل الخيرات، ومد يد العون للغير، من صدقات وإحسان للمحتاج وكفالة الأيتام… فليذوقوا حلاوة العطاء، ولتحيا فيهم معاني التكافل ومعنى الجسد الواحد، نبيي وقدوتي كان كالريح المرسلة فيه فاستنوا به.
لكن، مهلا، مهلا ! يبدو أنه في زمانكم المتأخر هذا قد أسيء الفهم والمقصد، أنا لست شهر الإسراف في المأكل والمشرب وإضاعة الوقت والتنافس في ملء الموائد بأصناف الخيرات، لست مهرجانا للأكل والشرب وفنون اللهو والسمر على ما لا ينفع، كل هذا عكس الحكمة من وجودي وفرضي.
كان معلى بن الفضل رحمه الله يقول: “كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم”. وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: يعني الصحابة رضوان الله عليهم “اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلا”، فكيف بكم وأنتم تفرطون في أيامه ولياليه؟
أنا شهر الجهاد، وجهاد هوى النفس أليس هو أعظم الجهاد؟ لا وقت للخمول والكسل، ولتعلموا أنه في عهد نبيكم وصحابته وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان كانت أيامي شاهدة على أهم إنجازاتهم وانتصاراتهم الحاسمة، كان أغلب زادهم من التمر والشعير واللبن… لكن هممهم كانت شامخة كالجبال، وبطولاتهم عديدة مشرفة، شهدت غزوة بدر الكبرى وفتح مكة العظيم المبارك، وفتح الأندلس، ومعركة عين جالوت… إنه شهر الفتوحات الفارقة بحق، وشهر النصر والتمكين، حيث كان الصيام دافعا ومعينا لا معيقا ومثبطا.
خلاصة حديثي: أيها الأحباب، أنا ضيف عزيز خفيف الظل، سريع الرحيل، أيامي معدودات، وأعمالي مباركات، فأحسنوا ضيافتي وأكرموا وفادتي، واغتنموا لحظاتي، واحظوا ببركاتي، تغنموا وتسعدوا، ما تجدوا عندي من خير لن تجدوه في غيري من الشهور، أعيدوا إلي جوهري، أنا لكم فرصة لتجديد عهدكم مع ربكم، أنا ربيع قلوبكم، وفرصتكم للتزود بالتقوى والفوز برضى خالقكم، وأخبركم بأن مغفرة ربكم أقرب مما تتصورون، أجيء كل عام لأذكركم بزوال الدنيا الفانية وبقاء الآخرة، وأن الجسد كما يحتاج إلى غذاء فالروح لن تشبع إلا بالقرب من الله، فالبدار البدار.