عدتُ قبل أيام من زيارةٍ عائلية بفرنسا، وبينما كانت الطائرة تتهادى لتقبل أرض “عروس الشمال”، تسمرت عيناي على النافذة بحثاً عن ذلك الأفق الذي طالما تغنى به الشعراء، وأستقصي ملامح “طنجة العالية” التي تسكن ذاكرتي بصورتها الوادعة الرقيقة. ولكن هالني ما رأيت، وانكشفت لي مدينتي كما لم يعهدها بصري: كاملةً، عاريةً، بلا زوايا تخفيها ولا تفاصيل تُلطّفها. هناك، من الأعلى، سقطت حجج الإنكار؛ فما كنتُ أرقبه شذراتٍ متفرقة على الأرض، أبصرته جلياً في لوحةٍ واحدة: مدينةٌ يبتلعها الغول الإسمنتي.
لقد استحالت ضواحي طنجة غابةً من كتلٍ صماء تمتد بجمودٍ على مد البصر، تتراصُّ بلا روحٍ كأنها تنهشُ خضرة الأرض وتغتالُ عبق التاريخ. أحياءٌ هي في جوهرها “صفيحٌ خرساني”، لا تختلفُ في قسوتها عن “أحياء الصفيح” التي طالما ضاقت بها أنفاس المستضعفين. كتلٌ عمرانية تتناسل بلا تناسق، وتنمو خارج سياق الروح أو الذاكرة؛ فبعد أن كانت طنجة واحةً للسكينة والمدى، باتت اليوم تصارع الاختناق تحت وطأة زحفٍ عشوائي ممنهج، شوّه ملامحها البهية واستباح طهرها القديم.
لم يكن هذا المشهد طارئاً على بصيرتي، فقد كنتُ أتجرعُ تفاصيله يوماً بعد يوم وأنا أذرعُ شوارع المدينة؛ أرقبُ زحف الإسمنت الوئيد، وأعاينُ انحسار المدى، ووأد الخضرة، واختناق الأفق شيئاً فشيئاً. غير أنَّ في الوجدانِ إنكاراً يأبى التسليم بالحقيقة المُرّة؛ كأنما يتشبث القلبُ بأطلال طنجة التي سكنت صباي وشبابي، ويرفضُ الإقرار بتآكلها أمام ناظريّ. لكنَّ نظرةً واحدة من علياء السماء كانت كفيلةً برتقِ المشاهد الممزقة وتجلية الصورة الكبرى؛ فما يحدث ليس مجرد تبدلٍ عابر، بل هو زلزالٌ يرجُّ روح المدينة، ويجتثُّ كيانها من جذوره.
لم تكن طنجة يوماً مجرد حيزٍ جغرافي أو ركامٍ من مبانٍ، بل كانت روحاً تسري، وذاكرةً تحكي، وتوازناً فريداً يزاوج بين هيبة البحر ووقار العمران؛ ففي حضنها الدافئ يتعانق المتوسط بشقيقه الأطلسي في عناقٍ أبدي، وعلى عتباتها سَحر المدى عقول الفنانين واستنطق قرائح الملهمين، وكانت ألقابها؛ “عروس الشمال”، و”طنجة العالية”، و”عاصمة البوغاز”، تجليات لمعانٍ تاريخية وجمالية وروحية غائرة في العمق.
واليوم تبدو وكأنها تصارع سكرات الاختناق تحت وطأة غابةٍ من الزحف الخرساني الممنهج الذي اغتال ملامحها البهية؛ إذ صار الإسمنت يطارد كل نبضٍ فيها، محولاً العمران من سعةٍ إلى ضيق، ومن ملاذٍ آمنٍ إلى قيدٍ خانق، ومن ضرورةٍ حياتية إلى جنايةٍ على الهوية.
ليست المعضلة في فعل البناء ذاته، بل في انحسار الرؤية التي تحفظ للمدينة كرامة إنسانها وعمق هويتها. وكأني بـ”عروس الشمال” تُساق نحو طمس ملامحها لتغدو كياناً هجيناً؛ جراء اللهث خلف الربح النهم، وانسياق مدبري شؤونها وراء نمذجةٍ عمياء تتجاهل خصوصية الأرض وعبق التاريخ. ألا يعتبر هؤلاء؟ ألم يروا ما آلت إليه تجربة “المساكن ذات الإيجار المعتدل” (HLM) الفرنسية؟ تلك التي انقلبت كتلاً خرسانية صماء، وبؤراً للتهميش والاكتظاظ، بدلاً من أن تكون فضاءاتٍ للكرامة. ورغم ذلك، لا يزال القائمون على الشأن العام عندنا يُصرّون على استنساخ نماذج أثبتت عقمها في منبتها الأصلي. إن التنمية الحقة لا ترتوي من ركود التقليد الأعمى، بل تنبثق من إرادة سياسية صادقة تؤمن بالإبداع الأصيل المؤصل، وتتحرر من أصفاد التبعية الصماء العمياء التي تشمل الثرى والثريا، لتكون خادمة للأرض والعباد، وتصون حقهم في العيش الكريم والفضاء الرحب، بعيداً عن أي استنزاف ومصادرة.
لن تكون هذه البنية المختلة لنا مرتكزاً لتحقيق الذات وبلوغ المرام؛ ازدهار حقيقي، وعمران أخوي يليق بكرامة البشر، ما دام المنطق ذاته هو المتسلط: منطق المضاربة، والربح السريع، والاستعلاء في الأرض. لقد استُبيحت المدينة، وأُطلقت أيدي المقاولين وسماسرة العقار ليعبثوا في أرجائها ويهتكوا جمالها الفطري، وينقضّوا على كل شبرٍ فيها؛ يقتفون أثر الأرض أينما وجدت، لا ليشيّدوا حواضر تليق بالإنسان، بل ليُراكموا أرباحاً فاحشة لا سقف لها.
إن ما يحلُّ بالرميلات ومالاباطا وحواشي المدينة هو تجسيدٌ لمسارٍ كارثي، تُقايضُ فيه الطبيعة بالخرسانة، ويُحجمُ فيه الجمال خلف حسابات الربح. فغابة الرميلات، وما يحيط بها، ليست محض متنفس أخضر رحيب، بل هي شطرٌ من ذاكرة طنجة وهويتها، شأنها شأن “الغابة الدبلوماسية” التي اغتصبها الإسمنة، بعد أن كانت يوماً ملاذاً رحباً للاستجمام. أما “الجْبْلْ الكْبير” فأشجاره التي كانت تعانق السماء شموخاً وكبرياءً تستأصل الواحدة تلو الأخرى، لتنبت مكانها كتلٌ خرسانية مشوهة؛ وكذا حال “معلمة” “رأس مالاباطا” المطلّة على برزخ البحرين، والتي كان يأتيها الزوار من كل مكان؛ إذ كانت مرفأً للأرواح وفسحةً للتأمل، فامتدت إليها الأيادي العابثة، وشرعت في طمس معالمها ببناياتٍ صماء، تلاشت معها نضارةُ وجهها.
أما قلبُ المدينة، فقد طمست الأبراج الشاهقة رونقه الأصيل، وخنقت أفقه الرحب. فأضحى المشهد العمراني ركاماً مضطرباً، تتكالب فيه الكتل الإسمنتية على احتلال الفضاء، لا على تجميله.
وأما في أطراف المدينة ونواحيها، كبوخالف واكزناية وخندكور… فبين مُجمع عمارات هجينة وثان ينبت مجمع ثالث، في متتاليةٍ عبثية تذكر بالمقولة الشعبية في وصف رداءة الطرقات: “بين حفرة وحفرة توجد حفرة”. على هذا النحو، تتسابق هذه التكتلات لتشويه سحر المكان، واغتيال التوازن الفطري الذي عهدته طنجة، يوم كانت تتنفس نسيم البحر، وتلتحف الخضرة، وتنعم بالفسحة.
ليس من المبالغة القول إن هذه المشاريع، وإن دُثِّرَت بعباءة “التنمية”، تخدم أساسا فئةً ضيقة من المقاولين وذوي النفوذ، وتُصادر حق أهل المدينة في عمرانٍ لائق يمنحهم السعة والراحة، ولا يحرمهم التملّي بجمال حواضرهم، والاستئناس بشواطئهم ومجالهم الطبيعي، الذي يمثل شطراً لا يتجزأ من ذاكرتهم الجمعية وهويتهم الثقافية.
إن هؤلاء يرمقون طنجة بعين “المضارب” الذي لا يرى فيها إلا موقعاً استثمارياً جافاً، ذاهلين عن حقيقة أنها مدينةٌ ذات روحٍ عصيّة، وتاريخٍ ضاربٍ في العمق، وخصوصيةٍ فريدة تستوجب الصون والتبجيل لا المسخ والتبديد.
وفي هذا السياق، نستحضر أنَّ المسكن في شريعتنا الغرّاء ليس محض جدرانٍ تُرفع أو سقفٍ يُظلل، بل هو “سكنٌ” للأرواح قبل الأجساد، وملاذٌ للسكينة، وموئلٌ للستر والحرمة والخصوصية. لقد جعل الحقُّ سبحانه البيوت سكناً، وأخبرنا رسول الله صلى عليه وسلم أن من السعادة المسكن الواسع. فأنى لهذه الهياكل الإسمنتية الصمّاء أن تفي بعهد السكينة، أو ترعى حرمة الوقار والأمن؟ وكيف لها أن تبسط في حياة الناس ظلال النعمة التي ينشدها الإسلام؛ من طمأنينةٍ تملأ القلب، ورحمةٍ تغشى الأهل، واستقرارٍ يشدُّ أزر المجتمع؟ إنَّ العمران في جوهره ليس مجرد تطاولٍ في البنيان، بل هو ركيزةٌ في صرح المنظومة الحضارية التي تقوم على التراحم، وتُؤاخي بين طهر البناء والفطرة السليمة.
فقد كانت “طنجة العالية” فيما مضى منهل سكينةٍ لابنها، وموئلَ طمأنينةٍ تروي ظمأ الروح والبدن؛ يفيءُ إلى ظلها الوارف، ويستروحُ شذى كنفها، فتستقي نفسه مما تفيضُ به جنباتها من قيمٍ وبهاء، وما تسكبه في وجدانه من بردِ الإيمان وسلام اليقين.
وها هي طنجة اليوم تئنُّ تحت وطأةِ زحفٍ خرسانيٍّ جحود، وتستصرخُ بمرارةٍ من يعيدُ إليها جلال معناها، لا من يُزيدُ في إطباق الخناق على أنفاسها؛ لئلا تغدو مدينةً مجهولة النسب، ممسوخة الملامح، مثقلة الجسد بالبناء، خاوية الروح من المعنى.