لم يكن “طوفان الأقصى” حدثا عابرا في سياق العدوان الممتد على فلسطين، بل مثل لحظة كاشفة، أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول التاريخ والمآلات وسنن الله الجارية في الأمم والدول. ففي زمن تتسارع فيه الوقائع، وتختزل الأحداث في تحليلات سياسية آنية، يبرز كتاب “طوفان الأقصى وسنة الله.. قراءة في كتاب “سنة الله” للإمام عبد السلام ياسين” ليقترح زاوية نظر أعمق؛ زاوية السنن الإلهية التي تحكم مسار النهوض والسقوط، والنصر والانكسار.
هذا العمل، الذي يعد باكورة كتابات رجل القضية بامتياز الأستاذ عبد الصمد فتحي رئيس الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، ينطلق من قراءة واعية في كتاب “سنّة الله” للإمام عبد السلام ياسين، بوصفه نصا تأسيسيا في الفهم السنني للتاريخ، لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى إلى استكناه القوانين الربانية التي تضبط حركة الإنسان والمجتمع. ومن هذا الأفق، يعيد الكتاب وصل الحدث الراهن – طوفان الأقصى – بسياقه القرآني والتاريخي، بعيدا عن القراءات التجزيئية أو الانفعالية.
يتدرج المؤلِّف في مقاربته من التعريف بكتاب سنة الله وصاحبه (الفصل الأول)، إلى تفكيك بنائه النسقي ومنهجه المعرفي (الفصل الثاني)، كاشفا عن مركزية القرآن الكريم في تشكيل الرؤية، وعن العلاقة الوثيقة بين المقروء والمنظور، بين النص والواقع، كما يسلط الضوء على الصراع العميق بين روح الصهيونية القائمة على العدوان والإفساد، وروح الصحوة المتجذرة في قيم الإيمان والعدل والتحرر (الفصل الثالث)، ليضع معركة طوفان الأقصى في ميزان هذه السنن (الفصل الرابع)، ثم خاتمة أنهى بها الكتاب.
لا يقف الكتاب عند حدود التحليل، بل ينفتح على أفق الاستشراف؛ إذ يستحضر سنن التاريخ ودروسه، وبشائر النصر، ومعنى التحرير بوصفه مشروعا إنسانيا شاملا، لا ينفصل فيه تحرير الأرض عن تحرير الإنسان وبناء الوعي. يقول الأستاذ فتحي “تهدف القراءة تقديم رؤية متكاملة ومبسطة لطبيعة الصراع، مع التركيز على الأبعاد الفكرية والروحية التي أشار إليها الإمام ياسين في كتابه. كما تسعى إلى تقديم باقة من النصوص المقدسية والمفاهيم الإسلامية التي كتبها وأسسها رحمه الله حول بيت المقدس والقضية الفلسطينية، لتكون مرجعا لفهم الواقع، وأداة لتحليله، واستشراف مستقبل الأمة”.
وإلى جانب ذلك، يسلط الكتاب الضوء على “منهاج الإمام ياسين رحمه الله في الكتابة والتفكير، والذي يجمع بين العمق الفكري، والبعد التربوي والرؤية الاستراتيجية، مما يجعل كتاباته مرجعا قيّما لفهم التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم واستحقاقات المرحلة ومنهاج التغيير والتحرير”.
الكتاب، الصادر عن مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، يقع في حجم متوسط، وتنتظم فصوله في 107 صفحات. وقد تصدرته مقدمة للبروفيسور الدكتور عبد الفتاح العويسي، نوه فيها بقيمة العمل، معتبرا إياه “محاولة لربط الحدث التاريخي الفارق الذي مثله طوفان الأقصى بالسنن الربانية الحاكمة لحركة الأمم وصراع الحق والباطل”، ومبرزا أنه “يسعى إلى استنطاق الحدث في ضوء القوانين الإلهية التي تحكم قيام الدول وسقوطها، ونهوض الدعوات وابتلائها”.