في الحلقة الثانية من برنامج “رجل ومسار” الذي تعرضه قناة الشاهد بودكاست، ويقدمه الأستاذ منير الجوري، تواصل الحوار مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان بعد الوقوف في الحلقة الأولى عند مرحلة الطفولة، وأحداث الريف، وما رافق الاستعمار وما بعد الاستقلال من وقائع عاشتها المنطقة. وافتتحت الحلقة بتذكير موجز بما ورد في الحلقة السابقة، حيث أعيد التذكير بأن محمد عبادي ولد سنة 1945 في قبيلة بني حذيفة نواحي مدينة الحسيمة، ونشأ في بيئة بسيطة مكنته من حفظ القرآن قبل أن يتجاوز الثالثة عشرة، ثم التحق بالتعليم النظامي في ظروف صعبة، كما تابع في طفولته أحداث المقاومة وما تلا الاستقلال من أحداث في الريف.
بعد ذلك، انتقل مقدم البرنامج إلى سؤال الأستاذ محمد عبادي عن تقييمه لتلك المرحلة، أي مرحلة المقاومة والاستعمار وما بعد الاستقلال. فأجاب بأن المغاربة بذلوا جهدا كبيرا في طرد المستعمر، وضحوا بأموالهم وأنفسهم وأبنائهم، وتحملوا الاعتقالات والاضطهادات والقتل من طرف المستعمر. وأضاف أن الذي خاض البلاء الحسن أكثر هو جيش التحرير، لأنه صمد في الجبال، ورفض الاتفاق مع العدو المستعمر، معتبرا أن ذلك أدى إلى استقلال ناقص ومبتور، لأن كثيرا من مناطق المغرب لم تكن قد تحررت بعد، مثل سبتة ومليلية والصحراء. وقال إن المجاهدين كان ينبغي ألا يضعوا السلاح حتى يتحرر المغرب كله. ثم أضاف أنه بعد هذا الاستقلال المبتور وقع تعاون بين الوطنيين وبين الحكم لتصفية الحسابات مع جيش التحرير، وما رافق ذلك من اعتقالات واغتيالات ومطاردات أدت بعد ذلك إلى أوضاع سيئة ما تزال آثارها مستمرة، ومن بينها استمرار ملف الصحراء وما استلزمه من إنفاق كبير دون أن ينتهي بعد. كما أشار إلى أن المستعمر، قبل أن يخرج، ترك بين الدول والمناطق بؤرا للتوتر، وقال إن الأصل كان أن تتوحد المناطق كلها تحت راية الأخوة بدل أن تدخل في صراعات ومناوشات بين الأقطار.
ثم انتقل الحوار إلى الوضع الداخلي بعد الاستقلال، وبداية بناء حياة سياسية جديدة في المغرب مع وضع دستور وحكومة. وفي هذا السياق، قال محمد عبادي إنه كان ما يزال في المرحلة الابتدائية حين أعلن الحسن الثاني أنه منح المغاربة الدستور. ووصفه بأنه “الدستور الممنوح”، وقال إن معظم الناس كانوا رافضين له، وإن خطابات عبد الكريم الخطابي كانت تدعو إلى رفضه. وأضاف أنه شخصيا لم يشارك قط في أي عملية انتخابية إلى حدود اللحظة، لأن هذا الدستور، بحسب قوله، أعطى صلاحيات واسعة جدا للملك، ولأن العملية الانتخابية لا يمكن أن تتم على حقيقتها في مجتمع أمي لا يقرأ ولا يكتب، إذ لا يستطيع الناس التمييز بين ما هو صالح وما هو غير صالح، وتصبح أوامر الشيخ والمقدم هي التي تدفع الناس إلى التصويت. وأضاف أن هذا الدستور لم يستمر إلا بضع سنوات، قبل أن يقع الانقلاب عليه بإعلان حالة الاستثناء التي دامت خمس سنوات.
وفي مواصلة الحديث عن تلك المرحلة، أشار الأستاذ محمد عبادي إلى أن الناس كانوا ينتظرون مغربا جديدا يعيشون فيه حرياتهم ويحققون فيه أحلامهم، لكن الوضع، بحسب تعبيره، انتقل من استبداد تمارسه قوة خارجية إلى استبداد تمارسه القوى القابضة على دواليب الدولة في المغرب. وأضاف أن ذلك شكل نكسة، وقال إن هذه النكسة ما تزال مستمرة.
بعد ذلك، انتقل مقدم البرنامج إلى المسار الدراسي لمحمد عبادي بعد المرحلة الابتدائية. فذكر هذا الأخير أنه قضى سنة في بني حذيفة، وثلاث سنوات في إمزورن القريبة من الحسيمة، وقال إنه كان متفوقا في دراسته إلى درجة أن بعض المعلمين كانوا يكلفونه بتصحيح دفاتر التلاميذ، بل يسلمونه مفتاح القسم يوم العطلة ليتولى ذلك ويمنح النقط. وأضاف أن تعلمه الحروف والكتابة في مرحلة حفظ القرآن أفاده كثيرا في الدراسة. ثم تحدث عن انتقاله إلى المرحلة الإعدادية في الحسيمة، وقال إن أصعب ما واجهه فيها كان اللغة الفرنسية، لأن المنطقة كانت تدرس اللغة الإسبانية باعتبارها اللغة الأجنبية الثانية، بينما كان هو من الفوج الأول الذي جربت فيه اللغة الفرنسية. وأوضح أن الفرنسية لم تكن مادة دراسية فقط، بل كانت أيضا لغة تدريس لمواد أخرى، وأنه في المرحلة الثانوية في تطوان كان يدرس الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء باللغة الفرنسية. وأضاف أن هذه المرحلة عرفت أيضا مظاهرات متواصلة بين التلاميذ وبين المكلفين بالتعليم، وأنهم في القسم الداخلي دخلوا في مفاوضات مع المقتصد، بل خاضوا إضرابا عن الطعام، وكانت لهم لجنة تفاوض تقترح عليه ما ينبغي اقتناؤه من الأطعمة واللحوم وغيرها لتحسين ظروف الإقامة والتغذية. وعند سؤاله عن كيفية تعامله مع عائق اللغة الفرنسية، قال إنه في ذلك الوقت لم تكن هناك أشرطة ولا كتب ولا وسائل مساعدة، وإنهم لم يكونوا يملكون إلا الدفاتر والأقلام وما يلقيه الأستاذ عليهم من معلومات، ولذلك كان ضعيفا في الفرنسية، وقال إن هذا الحاجز ظل يؤثر على تفوقه الدراسي حتى في المرحلة الثانوية في تطوان.
وفي جواب عن سؤال حول نهاية مساره الدراسي، قال محمد عبادي إنه اجتاز امتحان البكالوريا، لكنه لم ينتظر النتيجة. وأضاف أنه كان يعيش أزمة نفسية أو روحية بسبب أوضاع الأمة وما آلت إليه أحوالها، وأنه كان يخرج إلى الغابة ويبكي منفردا. كما قال إنهم كانوا قلة من التلاميذ الذين يؤدون الصلاة في وقتها، وكانت لهم صحبة فيما بينهم يحافظون فيها على دينهم، في وقت كانت فيه ظاهرة الإلحاد، بحسب قوله، على أشدها. وذكر أن أساتذة أجانب وعربا ومغاربة كانوا يدرسونهم مواد مثل المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية باللغة الفرنسية، وأن أستاذ التاريخ والجغرافيا كان ينظم خرجات يوم الأحد إلى مناطق جبلية قرب تطوان، وكان يشجع التلاميذ، ذكورا وإناثا، على الاختلاط والرقص. وأضاف أن بعض الأساتذة كانوا يطرحون داخل القسم أسئلة من قبيل: من منكم لا يؤمن بوجود الله؟ فترتفع بعض الأيدي، فيعلق أن النجباء لا يؤمنون بالله. وقال إن هذه الأوضاع أثرت في حالته النفسية.
ومن هنا انتقل الحوار إلى مرحلة جديدة من حياة الأستاذ محمد عبادي، حين قرر مغادرة تطوان في اتجاه أكادير. وأوضح أنه اختار أن يقطع هذه المسافة في أغلبها على الأقدام، مستعملا الحافلة في بعض المقاطع النادرة فقط. وعند سؤاله عن سبب هذا الاختيار، قال إن غايته الأولى كانت أن يستعيد كتاب الله تعالى، وأن يتعلم الشريعة الإسلامية إن وجدها، لأن منطقة سوس كانت مشهورة بالمدارس العلمية. وأضاف أنه حين وصل إلى أكادير وجد مجموعة من جماعة التبليغ قدموا من باكستان، واستفاد من صحبتهم مدة أسبوع، ثم توجه إلى تارودانت، ومنها خرج إلى البادية، إلى أولاد عيشة، حيث بقي نحو خمسة أو ستة أشهر. وقال إنه استعاد هناك حفظ القرآن، وكان يقرأ أربعين حزبا في اليوم، بينما كان الإمام يدرس الطلبة مبادئ اللغة العربية، لكنه كان معتكفا على كتاب الله.
ثم قال إنه أخذ الطريق بعد ذلك من تارودانت إلى وجدة على الأقدام أيضا، متنقلا من قرية إلى قرية ومن مكان إلى مكان. وخلال هذه الرحلة، حضر في إحدى المناطق ما سماه “اللمة”، وألقى كلمة بحضور أحد القياد، وكان هذا الأخير من خريجي فاس، فعرض عليه أن يقيم في مدرسة عتيقة هناك، وأن يتكفلوا به ويوفروا له كل شيء. غير أنه قال إنه رفض ذلك، خصوصا بعد أن رأى ما يقدم على المائدة من كثرة، وأضاف أن عقليته في تلك الفترة كانت متشددة، وأنه لم يكن يرى في هذا النمط ما يوافق السلوك إلى الله تعالى. ثم تابع طريقه إلى وجدة، وهناك تعرف من جديد على جماعة التبليغ، وذكر من بينهم السي عبد الرحمن البلاوي. وبعد ذلك أراد دخول الجزائر، فاجتاز الحدود من دون جواز سفر، لكن ألقي عليه القبض هناك وأعيد إلى الحدود. ومن وجدة اتخذ الطريق الساحلية نحو غمارة، أيضا على الأقدام، لأنه سمع في وجدة أن في تلك المنطقة إماما ذائع الصيت في القبيلة، ومن العلماء ومن أهل الله، فقرر الذهاب إليه. وقال إن الرحلة استغرقت نحو خمسة عشر يوما.
وحين وصل إلى ذلك العالم في غمارة، قال إنه رحب به ترحيبا كبيرا، واستضافه في داره، ثم صحبه في الصباح إلى المسجد الذي كان يدرس فيه العلوم الشرعية. وأضاف أنه بقي هناك مدة لم تصل إلى سنة، واستفاد منه كثيرا في أحواله وتربيته وربانيته. وذكر أن هذا العالم كان يسكن بعيدا عن المسجد بنحو ثلاثة كيلومترات، وكان يأتي كل صباح قبل الفجر، وفي أحيان كثيرة تحت المطر أو الثلج، يحمل حذاءه بيده ويمشي حافيا حتى يصل إلى المسجد، حيث يدرس كل يوم خمسة أو ستة مواد من العلوم التقليدية، في العربية والنحو والفقه والأصول والفرائض وغيرها، ثم يعود إلى داره قبيل المغرب. وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ محمد عبادي أنه كان يقيم مع الطلبة في المسجد، وأن عددهم كان يتراوح بين ستين وسبعين طالبا، يبيتون هناك ويحفظون على ضوء الشمع أو المصباح التقليدي. كما تحدث عن احترام أهل القرية، التي سماها تندمان، لطلبة العلم، وقال إن كل طالب كانت تتكفل به دار من دور القرية، وأن الناس كانوا يقتسمون معهم ما رزقهم الله. وأضاف أنه قضى هناك عيد الأضحى، وكان سكان القرية يأتون بأنصاف الأضاحي ويقدمونها للطلبة، فبقوا يأكلون لحم القديد شهورا.
وبعد هذه المرحلة، قال محمد عبادي إنه عاد إلى أهله، لأن والديه لم يكونا يعرفان مكانه، إذ كان قد أرسل إليهما رسالة لم تصلهما. ثم أضاف أنه أثناء مقامه في غمارة كانت تصله أخبار عن الجو العلمي في طنجة، فقصدها بنية الدراسة على الفقيه الزمزمي، لكن ما وقع، بحسب تعبيره، هو أنه استخار الله قائلا: “يا رب اجمعني على أحب الناس إليك في هذه المدينة”، فكان نصيبه أن يلتقي بالسي عبد الله التليدي. وقال إنه بقي عنده في الزاوية خمس سنوات، يدرس مع الطلبة الذين كانوا يدرسون عنده، ويقيم هناك، وكان في الوقت نفسه يحضر دروسا أخرى عند فقهاء آخرين في المدينة. وأضاف أن الشيخ عبد الله التليدي كان من أهل الله في التقوى وفي حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الشوق إلى لقاء الله، وأنه لم يكن يفتر عن ذكر الله ولا عن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مغرما بالحج، حتى إنه كلما اقترب موسم الحج باع داره ليؤمن نفقات الحج، ثم اشترى دارا أقل قيمة. وقال إن له عشرات العمرات والحجج.
وفي حديثه عن هذه المرحلة في طنجة، قال الأستاذ محمد عبادي إنه درس أيضا عند سيدي عبد الله بن الصديق بعد عودته من مصر إلى طنجة، وأنه اجتمع مع بعض الطلبة وطلبوا منه أن يدرسهم علم الأصول والحديث من كتاب “نيل الأوطار” للإمام الشوكاني. وعند سؤاله عن الإجازة في الحديث، قال إن الإجازة كانت عملية، وإنهم لم يكونوا في ذلك الوقت يطلبون الإجازة كما صار يقع لاحقا، وأضاف أنه يملك إجازة من عبد الله التليدي، لكنهم حينها لم يكونوا يسألون عنها. كما قال إنهم كانوا يحضرون أيضا عند فقهاء آخرين، منهم الكنوني الذي قال إنه كان متفوقا في علم النحو، ومنهم علي بن عجيبة الذي كان يدرس الأصول من “جمع الجوامع”. وختم حديثه عن هذه المرحلة بالقول إن هذه السنوات الخمس كانت كلها للاستفادة من العلوم التقليدية.
وفي ختام الحلقة، شكر مقدم البرنامج الأستاذ محمد عبادي، وذكر المشاهدين بأنهم سيكونون على موعد في آخر حلقة من سلسلة هذا البرنامج مع الإجابة عن أسئلتهم التي سيجيب عنها الأستاذ محمد عبادي، داعيا إلى ترك التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بقناة الشاهد، على أن يتواصل بقية المسار في الحلقة المقبلة.