على هذه الأرض.. [قصة قصيرة]
![Cover Image for على هذه الأرض.. [قصة قصيرة]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Fcdn.aljamaa.cloud%2Fassets%2F2021%2F05%2FRTXBSBXU.jpg%3Fv%3D2021-05-15T12%253A27%253A48.000Z&w=3840&q=70)
في شرفة بيته، جلس العم صالح على كرسيه المتأرجح والسبحة تتراقص بين أصابعه وعيناه سارحتان في الأفق البعيد. سكونه وهدوؤه يحكيان بصمت عن آلام وأحزان دفينة صدره. جلس كعادته يتلو كتاب الله بعد صلاة العصر ونسيم عليل يداعب أوراق شجرة الزيتون التي تتوسط حديقة بيته. وصله صراخ أحفاده وهرجهم، فنهض مستقبلا إياهم بابتسامة عريضة والبريق في عينيه التي أحاطتهما التجاعيد. رآهم يتسابقون في الدرج من يحضن جده أولا، ففتح صالح ذراعيه وحضن الثلاثة دفعة واحدة، فصدره يتسع لأجسادهم الصغيرة، أخرج الحاج قطع الحلوى من جيبه وقدم لكل واحد منهم قطعة. كان أول أيام رمضان آنذاك وجاء ابناه حمزة ونضال ليفطرا مع والديهما. جلس براء وأسامة قبالة جدهما، في حين بقيت الصغيرة أروى في حجر جدها تلتهم الحلوى بتلذذ.
قال براء: جدي، سمعت جدتي تقول لأمي أنه في سنة 1442ه اقتحم جنود الاحتلال المسجد الأقصى واعتدوا على المعتكفين والمصلين فيه وصارت ساحاته منصة حرب. كيف وقع ذلك ولماذا؟
تنهد الجد تنهيدة طويلة وأجاب: هيه يا ولدي، ذاك الرمضان كان بنكهة خاصة، بطعم الصمود والثبات والجهاد في سبيل الله وفي سبيل الدفاع عن حرمة المسجد الأقصى. كنت في العشرينيات من عمري. القصة بدأت يوم وضع الاحتلال الحواجز الحديدية عند باب العامود ليمنعونا عن الاجتماع مع أهلنا من الضفة. نيتهم كانت تقليل عدد الداخلين إلى المسجد والبلدة القديمة تمهيدا للاقتحام الأكبر يوم الثامن والعشرين من رمضان من طرف المستوطنين بحماية الجنود الصهاينة، ليحتفلوا بيوم القدس حسب التقويم العبري ويقيموا شعائرهم الدينية غير مراعين لمشاعر المسلمين وقدسية الشهر الكريم.
تدخل أسامة ونظرة الريبة بادية على وجهه: وهل استطاعوا يا جدي أن يحققوا ذلك؟
أجاب الجد بضحكة ساخرة: وهل يجرؤون على ذلك! لقد كنا لهم بالمرصاد. في كل مرة يأتون مدججين بكل أنواع السلاح (قنابل الصوت والغاز والمطاط..) كنا نصدهم بالسلاح الوحيد الذي توفره لنا أمنا الأرض: الحجارة. أصيب من أصيب واعتقل من اعتقل.
ولم يقف العدو عند هذا الحد وحسب، بل وصلت به الدناءة والوضاعة أن منع المسعفين من الدخول لتضميد جراح المصابين وأوقفوا الحافلات التي تقل المعتكفين لمنعهم من الوصول إلى المسجد الأقصى.
سألت أروى ببراءة: وماذا عنك يا جدي؟ هل أصابك الجنود؟
أجابها الجد بحنو: نعم يا حبيبة جدها، ولكن أرواحنا ودماءنا رخيصة في سبيل القدس.
هتف أسامة وقد أثاره كلام جده: بالروح بالدم نفديك يا أقصى.
ضحك الجميع، ونظر الصغار إلى جدهم متلهفين لمعرفة بقية القصة.
استطرد الجد قائلا: لم يقف الأمر عندنا بل كان رد المقاومة من غزة حازما وقاسيا. فبحلول السادسة مساء من يوم الثامن والعشرين من رمضان كان الاحتلال قد أطلق صفارات الإنذار لينفذوا بجلودهم من وابل الصواريخ المتجهة من غزة إلى المستوطنات "الإسرائيلية". كان دوي الصواريخ وسط تكبيرات وتهليلات أهل القدس مشهدا مهيبا تقشعر له الأبدان.
عشنا أياما صعابا، كنا لا ننام ليلا ولا نهارا، نظل متيقظين مترقبين أي حركة جديدة من العدو. ولكن بفضل الله ومنته كان النصر برؤية بني صهيون خائفين مرعوبين، يفرون من هنا وهناك يستحق كل ذلك الجهد الذي بذلناه.
براء: وهل صحيح يا جدي أن المدن الأخرى قد انتفضت بدورها، فقد أخبرني صديقي أحمد أن جده الذي ينحدر من اللد قال له أن شرارة الانتفاضة انطلقت من القدس لتشمل باقي المدن؟
الجد: نعم صحيح يا بني، فقد تم قصفها وتل أبيب وعسقلان، وللمرة الأولى منذ 1966م أعلنت إسرائيل حالة الطوارئ في اللد وأثارت صفارات الإنذار هلع المستوطنين، ما جعلهم يهربون إلى الملاجئ. وجد الفلسطينيون الفرصة سانحة أمامهم ليحرقوا منازل اليهود وسياراتهم ومعابدهم. وفر الصهاينة كالفئران بعد صدامات مع الشباب الفلسطيني. تعالت قهقهات الأطفال على تقليد جدهم لجرذ خائف فار.
نادت الجدة على الأطفال والجد: يا أولاد، يا أبا نضال، مائدة الإفطار جاهزة وأذان المغرب قد اقترب.
نهض الجد حاملا أروى وتبعه الصغيران: قصتنا يا أبنائي طويلة، نهايتها سعيدة تعيشونها اليوم آمنين مطمئنين في أرضكم حيث لا مغتصب ولا محتل يمشي عليها.









