فرحة الصائم

Cover Image for فرحة الصائم
نشر بتاريخ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “قال اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّه لي وأنا أجزي به، والصِّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يَومُ صَومِ أحَدِكُم فلا يَرفُثْ ولا يَصخَبْ، فإن سابَّه أحَدٌ أو قاتَلَه فليَقُلْ: إنِّي امرُؤٌ صائِمٌ. والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لَخُلوفُ فمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ. للصَّائِمِ فرحَتانِ يَفرَحُهما: إذا أفطَرَ فرِحَ، وإذا لَقيَ رَبَّه فرِحَ بصَومِه”. رواه الإمام البخاري.

الفرحة الأولى مجبول عليها الإنسان وتنسجم وطبيعته البشرية، وهي عامة ومشتركة بين جميع الناس رغم اختلاف الأجناس والأعمار، وهي تلامس القلوب مع آذان المغرب في كل يوم من رمضان، ومع الساعات الأولى من ليلة العيد حيث تبدأ التبريكات والاستعداد لارتداء الثياب الجديدة والخروج للصلاة مع الأهل والأحباب، وصلة الرحم مع ذوي القربى والأصدقاء.

إن هذه الفرحة رغم أنها مرتبطة بالجسد حيث شهوة البطن والفرج، وحيث الثياب الجديدة والسفر والزيارة، فهي تجلٍّ لنور الطاعة والالتزام بأمر الله والصوم لله، إنه فرحٌ بأكل الحلال من رزق الله واليقين التام في كرم الله وتوفيقه، وتجرد تام من الحول والقوة، فالصوم لله والإفطار على رزق الله.

إنه فرح في الدنيا يستشعره العبد المؤمن ويصطحبه معه طيلة ليالي رمضان ويوم العيد أعظم وأكبر، إلا أن الدنيا فانية والإنسان مصيره الموت ولابد من لقاء الله عزوجل، فكان لابد من فرحة ثانية للعبد المؤمن تملأ قلبه طمأنينة وسكينة، فيومئذ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إلا من أتى الله وهو راض عنه، فرح بلقائه.

إذا كان الصوم من الأعمال التي تفرح الله عز وجل ويفرح به العبد عند لقاء ربه، لما فيه من خير كبير وأجر وفير، فلابد للعبد المؤمن من الدوام والمواظبة عليه، وما رمضان إلا مدرسة إيمانية سنوية تعلمنا وتدربنا على الصيام، وتخبرنا بشكل عملي أننا قادرون وباستطاعتنا الصوم، فقط علينا الصبر والعزم وتجديد النية ورفع الهمة والإرادة، علينا أن نصطحب معنا شيئا من الصيام في السنة كاملة، خاصة الإثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر، حتى نكون ممن يفرح بلقاء الله عز وجل.

وكذلك الأمر بالنسبة للقرآن، فإذا كان رمضان فرصة سنوية للاحتفال بالقرآن الكريم كلام الله، قراءة وتدبرا وحفظا، فرصة حتى نرجع لكتاب الله، نعرض أعمالنا وأخلاقنا، بل وحياتنا عليه، كما أن رمضان زمن مبارك فيه قراءة القرآن سهلة ميسرة، وأجر القارئ مضاعف أضعافا كثيرة، فعلينا أن نصطحب معنا هذه الصلة الدائمة بكتاب الله، نقرأ حزبين في اليوم حتى تكون لنا ختمة في كل شهر.

أما بالنسبة للصلاة والقيام فذاك أعظم، فالصلاة صلة بالله عزوجل، حيث يناجي العبد مولاه ويعرض حاجته عليه، أما إذا كانت الصلاة في الثلث الأخير من الليل، حيث يتجلى الله إلى السماء الدنيا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فذاك أكبر وأجل وأشرف.

إن رمضان يعلمنا أن قيام الليل ممكن والمداومة عليه أمر هين، فقط علينا تجديد العزم ورفع الهمة وضبط وقت النوم، فالدنيا فانية والآخرة باقية، والسعيد من بدأ بنصيبه من الآخرة حيث القيام والدعاء والاستغفار بالأسحار، فيمر على نصيبه من الدنيا حيث العمل والأسرة وهموم الأبناء، فينظمه له انتظاما.

إن رمضان يعلمنا كيف ننتقل من الفرح في الدنيا وبالدنيا إلى الفرح في الآخرة، الفرح بلقاء الله عز وجل، وذلك من خلال المداومة على أعمال البر والفلاح، من صيام وقيام وقراءة القرآن، بل وحفظه والعمل به، والابتعاد عن كل ما يفطر في يوم رمضان من فسوق وجدال وسب وشتم، وكل ما حرم الله عزوجل.

إن أحب الأعمال إلى الله ما دام واتصل، وأبغضها له سبحانه ما انقطع وانفصل، وما التربية الإيمانية الإحسانية إلا تنمية وتنقية لأشرف وأسمى ما في الإنسان، وهو روحه، وذلك من خلال المداومة على ذكر الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقبال عليه سبحانه بالليل والنهار، وتطويع هذه النفس وترويضها حتى تخضع لأمر الله، ويسهل عليها الالتزام بأوامره والابتعاد عن نواهيه.

إن رمضان فرصة سنوية يعلمنا الله من خلالها أن تطويع النفس ممكن وترويضها أسهل مما نتخيل، فها هي في رمضان داومت عل الصيام والقيام وقراءة القرآن، في منافسة مع الأقران، وابتعدت عن النميمة والغيبة والكذب وأكل الحرام، مخافة ذهاب أجر الصيام، تجاوزت الشح والبخل، وأنفقت وأخرجت زكاة الفطر طمعا في نيل الأجر والثواب، واقتداء بخير الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود بالخير من الريح المرسلة.

إذن بعد رمضان الأمر إن شاء الله يكون أبسط وأسهل، فالجوارح مهيأة للطاعة، والقلوب يملأها الإيمان، فقط علينا أن نصطحب معنا روح رمضان في السنة كاملة، ونستحضر الفرحة الكبرى يوم لقاء الله عز وجل، ولعل من مفاتيح الخير في رمضان ومن الوسائل المساعدة على الصيام والقيام وقراءة القرآن هو الجماعة، حيث التعاون على الطاعة. في يوم رمضان الكل صائم، وفي ليله الكل قائم، وهذا يحفز النفس ويساعدها على الصبر والمثابرة.

بعد رمضان لابد لنا من جماعة ورفقة طيبة تعيننا على أنفسنا، ونصبر معها على طاعة الله واتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لابد لنا ممّن يذكرنا بالصلاة والصيام وينبهنا حتى لا نغفل عن القيام وقراءة القرآن، ويرشدنا إلى ترك النميمة والغيبة وأكل الحرام، ويأخذ بيدنا حتى نحب الله ونتأسى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن دين الله لا يمكن أن نعيشه أفرادا منعزلين، بل نعيشه جماعة متعاونين،  ومجتمعا يسري الدين في كل مؤسساته، وما رمضان إلا فرصة سنوية يخبرنا من خلالها الله عز وجل أن الدين يجب أن يتجلى في كل حركات الإنسان المسلم وسكناته، وليس فقط في الصلاة أو داخل المسجد، وفي كل تفاصيل حياة المجتمع المسلم ومؤسساته، وليس فقط في الأعياد والمناسبات.

إن الصيام وسيلة يسرها الله لعباده المؤمنين حتى ينقلهم من الفرح في الدنيا إلى الفرح في الآخرة، ومن الفرح المؤقت في كل يوم من أيام رمضان أو في كل سنة إلى الفرح الدائم حيث الإقبال على الله بالصيام والقيام في كل الشهور. 

يقول أولياء الله عز وجل أن رمضان لما بعده، حيث تجديد الإيمان في القلوب ورفع الهمم والإرادات حتى تطلب لذة النظر لوجهه الكريم سبحانه، بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانت حياتهم كلها رمضان يودعونه بستة أشهر، دعاء وافتقارا وتجردا، يسألون الله أن يتقبل منهم رمضان، ويستقبلونه بستة أشهر، استعدادا وتهيؤا، طلبا ورجاء من الله عزوجل أن يبلغهم رمضان المقبل.