فقه التغيير في الرؤية القرآنية وأثره في صناعة التمكين

Cover Image for فقه التغيير في الرؤية القرآنية وأثره في صناعة التمكين
نشر بتاريخ

لا يمكننا الحديث بأي حال من الأحوال عن التمكين دون ربطه بإحدى أعظم السنن الكونية، ألا وهي سنة التغيير، ذلك التحول الداخلي الذي يبدأ من الإنسان نفسه، ومن إصلاح القلب والفكر والسلوك، ثم يمتد ليشمل المجتمع كله، انطلاقًا من قانون التغيير الإلهي المتمثل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (سورة الرعد: 11).

فهذه الآية تمثل قاعدة عظيمة في بناء الإنسان، وهي آية من الآيات المؤسسة لمحورية التغيير في هذا الكون. فكلما تحقق التغيير الحقيقي والصادق، المبني على الإيمان والعمل والصبر، كان ذلك طريقا لبلوغ تمكين الإنسان، ليكون مؤهلاً لعمارة الأرض والاستخلاف فيها. فيحصل له التمكين كثمرة مجهود لمغالبة النفس ومخالفة الهوى. فالأنبياء والرسل عليهم السلام لم يحصل لهم التمكين إلا بعد مراحل من الصبر والمجاهدة في بناء الإنسان وتنمية الوعي بقيمة ورسالة وجوده، إذ يقول المولى سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات: 56).

فالغاية من الخلق هي عبادة الله وحده، وهذه العبادة لن تتأتى إلا عن طريق تغيير شامل وواعي، ومتى تحقق هذا التغيير واكتملت أركانه، كان التمكين آنذاك نتيجة حتمية وهبة ربانية. فالتمكين في الأرض وعد إلهي لعباده الصالحين، فحيثما كان الإيمان والعمل الصالح والصبر والصلاح والإصلاح، كان لزاما تمكين الله للعباد، يقينا في مواعيده سبحانه وتعالى، كما في تنزيله الحكيم: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا (سورة النور: 55).

فالتمكين في المفهوم القرآني مبني على سنة التغيير والتربية الإيمانية؛ فكلما سعى الإنسان نحو التغيير، كان قاب قوسين أو أدنى من أن يحصل له التمكين. وما قصة سيدنا إبراهيم أو يونس أو يوسف عليهم السلام إلا خير دليل على ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أن الخطاب القرآني لم يحصر الحديث عن التمكين في الرجال فقط، بل قدم لنا نماذج نسائية عظيمة كان لهن أثر واضح في نصرة الحق وترسيخ التربية على القيم. وما هذا إلا دليل على أن التمكين في الرؤية القرآنية مشروع مشترك بين النساء والرجال في بناء الفرد وإصلاح المجتمع.

فهذه سيدتنا آسية، زوجة فرعون، التي جسدت قوة الإيمان والثبات أمام الطغيان، فتركت بصمة الصمود على الحق نبراسا لكل النساء. وتلك مريم عليها السلام وتمكينها روحيا ومعنويا، واصطفائها للعبادة من بين النساء، لشهادة حق في مركزية المرأة في السلوك والابتهال. ولنا في خبر أم موسى، التي أنجبت نبيا، مثال راسخ لقوة الإيمان والثقة المطلقة في القدرة الإلهية للخالق ورب الأكوان. هذا على سبيل المثال، وإلا فلا مجال للحصر لنساء ساهمن بالإيمان والصبر وتربية الأجيال في صناعة التمكين وإحداث تغييرات مفصلية في مسار هذه الأمة، في ميادين عدة: روحية وأخلاقية كالتي سبق ذكرها، أو في القيادة الحكيمة والتدبير الحسن كما هو الشأن مع ملكة سبأ، التي تميزت بالشورى والعقل، فكان ذلك مدعاة لإيمانها ورجوعها للحق وجادة الصواب.

وبهذا يكون الخطاب القرآني قد أكد أن المرأة شريك فاعل في مشروع التغيير والمساهمة في التمكين، بل وهي ركيزة من ركائز إصلاح المجتمع والتمكين له، مما يؤكد أن هذا الباب مفتوح لكل من آمن بفكرة التغيير وعمل بمقتضاها. إذ أن الخطاب القرآني يعلمنا أن التمكين لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يتحقق ببناء الإنسان الصالح الذي يشتغل في إطار العمل الجماعي المنظم، الذي يسعى لترسيخ قيم العدل والإيمان والعمل المتواصل من أجل إذكاء همّ الخلاص الفردي والجماعي على حد سواء.

وبهذا يمكننا إجمال القول في كون أن مسؤولية التغيير هي مسؤولية جماعية لنهضة الأمة وإقامة مجتمع يسوده العدل والكرامة، ومرتكزه تربية عميقة على القيم. فلا تغيير حقيقي بدون تربية إيمانية تحيي القلوب وتقوم السلوك.

ويبقى شعارنا لحمل رسالة التغيير والمساهمة في صناعة التمكين: التربية أولا ووسطا وآخرا.