فك قيودك فرمضان شهر الحرية

Cover Image for فك قيودك فرمضان شهر الحرية
نشر بتاريخ

رمضان هبة ربانية خصه الله الكريم الوهاب بفضائل ومكرمات لا تكاد تحصر، أدركناها في الدنيا أم لم ندركها. فمن هذه الفضائل ما لا يدركه الصائم إلا يوم العرض الأكبر حين يجد الصيام في صحيفة أعماله ويتوج صومه بالعتق من النار في الآخرة.

أعظم غاية ينشدها المؤمن هي أن يغادر هذه الحياة الفانية وقد نال رضا الله ومغفرته وأعتقه من النار. فجعل الله هذا الشهر الكريم سببا للعتق من النار كما جاء الحديث الشريف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” رواه الترمذي وابن ماجة. فهذه بشارة نبوية عظيمة تحفز المؤمنين الصائمين إلى التسابق إلى الخيرات والتنافس في الطاعات، لأن كل العوائق والمثبطات انمحت وأسباب المعاصي والمهلكات زالت. والفوز بالرضوان والنجاة من النار هي النتيجة الكبيرة لهذا التسابق والتنافس في هذا الشهر الفضيل.

فهل من جوائز للصائم في دنياه قبل آخرته؟ نعم أعظمها نيل الحرية الحقة وفك القيود! أوثق قيد يكسره الصائم في رمضان هو قيد أنانيته المستعلية وطوق حبه لذاته المستكبرة التي تجعله منغمسا في ذاته وهمومه، بعيدا عن روح الأخوة الإيمانية والوشائج الإنسانية الجامعة. فصوم رمضان مع الناس بروح جامعة ينتشل الصائم من سجن أنانيته الضيقة إلى سعة الدنيا والآخرة من خلال الانخراط في تعاليم الدين وقيمه التي تحث على التضامن والتكافل والتعاون، فلا يمكن أن يصوم الإنسان رمضان وحده ولن يجد لذة صيامه وثمرته إلا وسط الجماعة وفي أحضان المجتمع. فرمضان يربي الصائم على التراحم والتعاون والتواد وفعل الخير وإسداء المعروف وبذل العطاء والإحسان إلى الأقربين والناس أجمعين. فالنفس الطيبة التي تحررت من قيود الأنانية وغوائل الشح والأثرة تفيض محبة للغير وحرصا على فعل الخير والإحساس بالمسؤولية تجاه المحتاجين. فكم من بيت لم يلجه ضيف إلا في رمضان، وكم من غني لم تتح له فرصة البذل إلا في رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس في رمضان كالريح المرسلة، ومن قبس جوده وكرمه نجد هذه الصور المتكررة من الموائد المبسوطة والخير المتدفق في المجتمع في كل رمضان.

ومظاهر الحرص على الروح الجماعية في العبادات خاصة الصلاة كثيرة ومتنوعة أجلاها وأنصعها؛ هذه الحشود الغفيرة التي تتسابق إلى المساجد وتغص جنباتها بآلاف المصلين، فتتحول المدينة كلها إلى مسجد كبير تتعلق فيها قلوب العباد بالسماء حين تحررت من قيود الأرض المشتتة. هذا على المستوى الجماعي أما على المستوى الفردي؛ فرمضان فرصة ربانية للانعتاق من سجن الشهوات وقيود الغفلات التي تأسر القلب وتلوث الروح. فأكرم الله الكريم الوهاب سبحانه عباده حين أدخلهم جماعة إلى مدرسة رمضان التي لم يوجد لها مثيل في التزكية وتهذيب النفس وصقل القلب وتحرير الإرادة. حين هيأ لهم أسباب القرب منه  وأزال من أمامه كل المطبات والعوائق والملوثات، وبسط في طريق التائبين والعائدين إليه وطلاب الحرية الحقة من النفحات والمكرمات ما يرفع النفس من وحل بهيميتها المدنسة بالمعاصي والزلات واللهث وراء الملذات الزائلة التي تجعل الإنسان أسير شهواته وعبد رغباته.

فالحرية ليست مجرد القدرة على التصرف والتنقل وإبداء الرأي، بل الحرية الحقة هي القدرة على السيطرة على النفس وتملك زمامها وقيادة الهوى إلى الخير واتباع الشرع وكبح نوازع الشر؛ فالحرية الحقيقية هي ألا تستعبدك عادة جارفة ولا تأسرك شهوة جامحة. وبهذا المعنى العميق للحرية قد لا يكون المسلم كامل الحرية إلا حين يكون صائما في رمضان؛ فكما لا تتحقق له السعادة الكاملة في الدنيا إلا بطاعة الله والالتزام بشريعته لا تتحقق له الحرية الكاملة في حياته كذلك إلا في استكمال معاني العبودة الحقة لله لا لذاته وشهوته. فكلما ارتقى العبد في العبودة لخالقه وحقق مقاصد العبادة له زاد منسوب حريته وارتفع مؤشر كرامته واستحق السعادة الأبدية في آخرته.

فالصائم حر حين اختار طواعية الكف عن كل شهواته ولجم رغباته وتحدي أنانيته وكف لسانه وغض بصره وكتم غيظه.

حر حين يوثر آخرته الباقية على دنياه الفانية طاعة لله وطمعا في رضاه.

حر حين صاحب القرآن يخاطبه ربه تاليا حافظا متدبرا لآيه ومقاصده فربما جفاه طيلة عامه.

حر حين اختار جوار ربه في مساجده تغشاه رحمته ونفحاته القدسية وقد كان سائما في دروب الدنيا، فآواه الله إليه وأوقفه بين يديه.

حر حين يرفع كفيه إلى مولاه باكيا داعيا معترفا موقنا أن لا ملجأ منه إلا إليه.

حر بصومه وفي صيامه حين صامه إيمانا وصبرا واحتسابا.

فلا تخرج من مدرسة رمضان إلا وقد تحققت لك حريتك الكاملة، وكسرت قيود أنانيتك المستعلية وأصفاد عاداتك الجارفة المهلكة، واختر أن تكون حرا في عبوديتك لله الخالق الأحد لا فردا من القطيع الهمل.