في حلقة افتتاحية من سلسلة رمضانية جديدة تبث على قناة الشاهد تتناول العلاقات الزوجية والمعاشرة داخل الأسرة، قدم الأستاذ محمد السليماني قراءة تأصيلية لمفهومي المودة والرحمة بوصفهما الأساس الذي تنهض عليه الحياة الزوجية في التصور الإسلامي، مؤكدا أن استقامة البيت مدخل لاستقامة المجتمع. مستهلا حديثه بالتوضيح أن هذه الحلقة الأولى مقدمة تمهيدية لحلقات لاحقة ستتناول نقاطا متعددة تتعلق ببناء الأسرة واستقرارها.
واعتبر أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى والركيزة الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، مؤكدا أن قوة المجتمع مرتبطة بمدى قوة الأسرة وتماسكها، ومستندا إلى ما في العقيدة الراسخة والهدي النبوي الشريف من أسس إدارة العلاقة بين الزوجين. كما ربط بين الاستقرار الأسري وبين القدرة على العطاء الدعوي وحمل رسالة العدل والإحسان للإنسانية.
واستشهد السليماني بقول الله تعالى في سورة الروم ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وقوله تعالى في سورة البقرة هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، معتبرا أن المعاشرة بالمعروف ليست شعارا عاما بل لها تجليات عملية تناولها العلماء قديما وحديثا. وشرح أن مظاهر المعاشرة بالمعروف تتوزع بين حقوق مادية مثل المهر والنفقة والكسوة، وحقوق معنوية ونفسية تتعلق باللين في القول وتجنب الأذى والإعراض وترك العبوس. واستحضر في هذا السياق نقولا عن العلماء، منها ما نسبه إلى الجصاص حول الوفاء بحقوق الزوجة وترك أذاها بالكلام الغليظ والإعراض عنها وترك العبوس والميل لغيرها، وما أورده عن الإمام الشافعي في حد الواجب من العشرة بالمعروف، مع الاستشهاد بقوله تعالى فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، من باب الاعتدال.
وتوقف القيادي في جماعة العدل والإحسان عند فكرة محورية للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، مفادها أن الاستقرار في البيت وحسن المعاملة داخله من أهم ما يميز المؤمنين، وأنه جهاد يقتضي رحمة وحكمة، لا سيما في فترة الانتقال من مجتمع الفتنة إلى المجتمع الإسلامي. وأكد أن استقرار البيت ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع، وأن المودة والرحمة الحميميتين هما ما يبني الاستقرار داخل البيت ثم يشيعه في المجتمع، مشيرا إلى أن أصل الاستقرار كما وصف الإمام رحمه الله هو الزوج المؤمن والزوجة الصالحة الناظرة إلى مثال الكمال.
وقد ميز بين المودة والرحمة، إذ اعتبر أن المودة ليست مجرد ميل قلبي أو حب بين الزوجين، بل هي سلوك يُصنع عبر التودد والتقرب وطلب المحبة حتى تثمر العلاقة سعادة وسرورا. أما الرحمة فهي أوسع وأعمق من مجرد الحب، لأنها تتعالى على المصالح الشخصية والأهواء الذاتية وتنتج التسامح والنصيحة وإنكار الذات. واستشهد بما نسبه إلى ابن عباس من أن المودة حب الرجل امرأته، وأن الرحمة هي رحمته لها حتى لا يصيبها بسوء. كما قدم المتحدث خلاصة المفهومين موجزا دلالتهما في عبارة الإمام الغزالي رحمه الله: المحبة حالة حاجة، والرحمة حالة حاجة الصاحب. وبناء على ذلك يقوم التودد بين الزوجين على سعي كل منهما لإسعاد الآخر، فالزوجة تتجمل وتدخل السرور، والزوج يقابل ذلك بالإكرام والخدمة وحسن الخلق.
وختم الأستاذ السليماني الحلقة بإبراز النموذج النبوي في إظهار المودة داخل الزواج، معتبرا أن التصريح بالمحبة ليس عيبا ولا نقصا بل هو سلوك نبوي واضح. واستشهد بحديث عمرو بن العاص حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك فقال: عائشة. ثم سأله: من الرجال فقال: أبوها، موضحا أن هذا التصريح العلني لم يعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا شخصيا خاصا به، بل اشتهر بين الصحابة دون حرج. كما أورد نماذج من كلام السيدة عائشة وهي تصف النبي صلى الله عليه وسلم بقولها: حبيبي، وتظهر غيرتها من نسائه بوصفها أثرا من آثار المحبة.
وفي محور أخير أشار إلى أن من مقاصد الشريعة في الزواج حفظ العلاقة ودوامها حتى يكون الزواج زواجا للآخرة، معتبرا الحب المبني على أسس متينة سببا أساسيا في استمرار الزواج، ومؤكدا أن الطلاق وإن كان مباحا إلا أنه مبغوض عند الله عز وجل لما يترتب عليه من قطع العلاقات، وخصوصا ما ينعكس على الأطفال والأولاد. واختتم بالتأكيد أن ما قدمه في هذه الحلقة مدخل عام، على أن تتناول الحلقات القادمة نقاطا أخرى تثمن المحبة وترسخ المودة والرحمة داخل الأسرة.