في افتتاح سلسلة “التربية بوعي” التي تعدها وتقدمها الدكتورة المتخصصة في علم النفس السعدية الجغلالي، وتبثها قناة الشاهد الإلكترونية، تؤكد المتحدثة أن التربية لم تعد مجرد ممارسة تلقائية مرتبطة بغريزة الأبوة والأمومة، بل أصبحت مسؤولية تتطلب تعلما ووعيا ومهارات خاصة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المعاصر.
التربية الوالدية في زمن التحديات والتحولات
وتطرح الجغلالي مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن يراجعها كل أب وأم، من قبيل: هل نربي أبناءنا بالطريقة التي تربينا بها نحن، أم وفق احتياجاتهم وظروف عصرهم؟ وهل نمتلك الوعي الكافي بأثر أساليبنا التربوية في بناء شخصياتهم ومستقبلهم؟
وتوضح أن جميع الآباء والأمهات يتطلعون إلى رؤية أبنائهم ناجحين ومتوازنين وواثقين من أنفسهم، غير أن مهمة التربية أصبحت أكثر تعقيدا مما كانت عليه في السابق، بسبب اتساع دائرة المؤثرات المحيطة بالأطفال، وتزايد الإغراءات، وانتشار التكنولوجيا، وارتفاع الضغوط الدراسية والاجتماعية، فضلا عن سهولة وصول المعلومات إلى الأبناء قبل الوالدين أحيانا.
وفي خضم هذه التحديات، تشير المتحدثة إلى أن كثيرا من الآباء يجدون أنفسهم في حالة تردد وحيرة بين التشدد والتساهل، أو بين تقليد الأساليب التي نشؤوا عليها واعتماد نصائح متفرقة دون التحقق من مدى ملاءمتها لأبنائهم. وتنتقد هذا المنهج القائم على التجربة العشوائية، معتبرة أن الأبناء لا ينبغي أن يكونوا “حقل تجارب” لآبائهم، لأن كل كلمة أو تصرف أو أسلوب تربوي يترك أثرا عميقا في نفوس الأطفال.
وتلفت إلى أن بعض الأطفال يكبرون وهم يعانون مشاعر النقص أو الخوف أو فقدان الثقة، نتيجة كلمات جارحة أو إهمال عاطفي أو قسوة مفرطة، في حين يمكن لكلمة تشجيع أو لحظة احتضان في الوقت المناسب أن تبني لدى الطفل شعورا دائما بالأمان والثقة.
وتشدد الجغلالي على أن الأطفال ليسوا مشاريع للسيطرة أو صفحات بيضاء تُملأ بالأوامر والنواهي، بل هم أشخاص يحتاجون إلى الفهم والاحتواء والتوجيه قبل العقاب واللوم، كما يحتاجون إلى الحب غير المشروط الذي يمنحهم الشعور بالأمان والانتماء.
التربية الواعية.. من ردود الأفعال إلى بناء العلاقة والثقة
وفي حديثها عن مفهوم “التربية الوالدية الواعية”، توضح أنه لا يعني الوصول إلى الكمال أو المثالية، وإنما يقتضي أن يكون الآباء والأمهات مدركين لأثر سلوكاتهم وتصرفاتهم، وأن يراجعوا أهدافهم التربوية باستمرار: هل يسعون فعلا إلى تربية أبنائهم وتنمية شخصياتهم، أم أنهم يفرغون غضبهم وانفعالاتهم؟ وهل يريدون أبناء يتحملون المسؤولية عن قناعة، أم مجرد أبناء مطيعين بدافع الخوف؟
وتؤكد أن هناك فرقا كبيرا بين الطاعة الناتجة عن الخوف والطاعة المبنية على الفهم والاقتناع، معتبرة أن العلاقة القائمة على الحوار والثقة هي الأساس الحقيقي لأي عملية تربوية ناجحة. فحين تغيب هذه العلاقة، تتحول النصائح إلى أوامر، ويتحول التوجيه إلى صراع دائم بين الآباء والأبناء.
وترى المتحدثة أن الهدف من التربية ينبغي أن يكون إعداد أبناء قادرين على التعبير عن مشاعرهم، وتحمل مسؤولية أفعالهم، والثقة في قراراتهم، واحترام ذواتهم والآخرين. وتؤكد أن تحقيق هذه الأهداف يبدأ بالقدوة الحسنة قبل أي وسيلة أخرى، لأن الأطفال يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما يسمعونه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أن يجسد الآباء والأمهات القيم التي يرغبون في غرسها في أبنائهم؛ فحين يرى الطفل الاحترام يتعلم الاحترام، وحين يرى الصبر يتعلم الصبر، وحين يشاهد الحوار داخل أسرته يكتسب مهارات الحوار والتواصل.
كما تؤكد الجغلالي أن التربية ليست سباقا مع الزمن ولا منافسة مع أبناء الأقارب أو الجيران، بل هي رحلة طويلة تتخللها الأخطاء والتعلم والتصحيح المستمر. غير أن الفرق بين التربية العشوائية والتربية الواعية يكمن في أن الأولى تجعل الأبناء يتحملون نتائج تجارب والديهم، بينما تمنحهم الثانية شعورا بالأمان والثقة وتجعلهم يلجؤون إلى آبائهم عند الحاجة بدل الهروب منهم.
وتختم الحلقة بالتأكيد على أن الأبناء لا يحتاجون إلى آباء وأمهات مثاليين، بل إلى آباء وأمهات واعين يعترفون بأخطائهم ويعملون على تطوير أنفسهم واكتساب المهارات التربوية اللازمة.
وتلخص المتحدثة رؤيتها للتربية الوالدية بقولها إنها تجمع بين العلم والفن؛ فهي علم يوضح كيفية وضع الحدود، وممارسة العقاب التربوي دون إيذاء نفسي، وتشجيع الأبناء دون إفراط، وبناء الثقة وترسيخ القيم. وهي في الوقت نفسه فن يقوم على الصبر، وحسن اختيار التوقيت المناسب، والتوازن بين الحزم واللين، والإنصات أكثر من الكلام.
وتؤكد أن نجاح التربية لا يرتبط بتطبيق قواعد جامدة على جميع الأطفال، لأن لكل طفل شخصيته الخاصة واحتياجاته المختلفة، ما يستدعي قدرة الوالدين على تكييف المبادئ التربوية وفق خصوصية كل ابن أو ابنة.
وتدعو الجغلالي في ختام الحلقة الآباء والأمهات إلى اعتبار تعلم مهارات التربية الوالدية أفضل استثمار يمكن أن يقدم لأبنائهم، مشيرة إلى أن الحلقات المقبلة ستتناول مزيدا من الأساليب والمهارات العملية التي تساعد الأسر على بناء علاقة تربوية أكثر وعيا وتوازنا.