أكدت الأستاذة خديجة مستحسان، الكاتبة العامة السابقة للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تعيشه الأمة من أزمات، تجعل الحاجة إلى فعل نسائي واع ومسؤول أكثر إلحاحا، معتبرة أن دور المرأة يتجاوز الحضور الشكلي إلى الإسهام الفاعل في بناء الإنسان وإصلاح العمران. وجاء ذلك في الكلمة الافتتاحية التي ألقتها، صباح اليوم الأحد 28 يونيو 2026، خلال افتتاح أشغال الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني للقطاع النسائي، المنعقدة تحت شعار: “من أجل فعل نسائي واعٍ ومسؤول يسهم في بناء الإنسان وإصلاح العمران”.
فيما يلي نص الكلمة:
بسم الله الرحمان الرحيم
المجلس الوطني للقطاع النسائي في دورته السادسة عشرة
تحت شعار
“من أجل فعل نسائي واع ومسؤول يسهم في بناء الإنسان وإصلاح العمران”
كلمة افتتاحية للمكتب الوطني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الأخوات الكريمات: عضواتُ المجلس الوطني للقطاع النسائي وضيفاتُه؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بداية أبارك لكم هذه الأشهر والأيام الفاضلة والعظيمة عند الله تعالى، سائلة الله عز وجل أن يتقبل فيها منا الصالحات، ويستجيب فيها الدعوات، ويقضي فيها الحاجات ويهدينا سبل الرشاد.
يسعدني أن أرحب بكم على بساط المحبة والأخوة في هذا المجلس الوطني الذي دأب القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان على عقده بدورية منتظمة ليكون محطةً من محطات التزاور، وتآلف القلوب، والتشاور، في كنف الصحبة والجماعة، وفرصةً لتقييم عمل مؤسساتنا وتقويم فعلنا في القطاع النسائي. نحصي فيه الإنجازات، كما نحصي العثرات، من أجل تطوير العمل والتشوف لأداء أفضل فيما يُستقبلُ من السنوات بعون الله وتوفيقه.
يتزامن مجلسنا الوطني لهذه السنة مع مناسبة مهمة وهي عملية التجديد التي تُجرى نهايةَ كل وِلاية داخل مؤسسات الجماعة، عمليةُ لا نعتبرها داخل الجماعة إجراء تقنيا شكليا، بل نعتبرها محطةً حقيقية للوقوف مع الذات؛ تقييما وتطويرا للعمل، ونُقدرها فرصةً لرصد الكفاءاتِ وحسنِ توظيفها، والاستفادةِ من معارفها ومؤهلاتها وخبراتها، كما نعتبرها محطة متميزة لضخ دماء جديدة في المؤسسات، والتداول على مختلِف المسؤولياتِ داخل الجماعة.
ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أتقدم بكل معاني الشكر والتقدير، ودعوات القبول من الله عز وجل لأخواتنا في كل مؤسسات القطاع النسائي اللواتي أبلين البلاء الحسن في التصدي لواجهات عملنا في الولاية المنقضية، وكان لهن من الله تعالى فضلُ الانتساب إلى قافلة المؤمنات المجاهدات المحتضنات لمشاريع الدعوة والبناء والإصلاح، كما أسأل الله تعالى العون والتوفيق والسداد لمن سيختارهن الله عز وجل من المومنات في الولاية القريبة، جندا من جنود الله، القائمين بأمر الله، الشاهدين بالقسط بحول الله وقوته.
أخواتي الحبيبات: نعقد مجلسنا الوطني اليوم تحت شعار: “من أجل فعل نسائي واعٍ ومسؤول يسهم في بناء الإنسان وإصلاح العمران”.
إن اختيارنا لهذا الشعار ليس اختياراً اعتباطياً، بل هو استجابةٌ لأسئلة يفرضها واقعنا، وتحدياتٍ تفرضها المرحلة، ومسؤولية تمليها علينا رسالتنا الإيمانية والدعوية والمجتمعية…
شعارنا اليوم ليس مجردَ عنوان للقاء، بل هو مشروعُ عمل، وخارطة ُطريق، ودعوةٌ إلى تجديد النظر في موقع المرأة ورسالتها في الحياة والمجتمع.
نجتمع اليوم في سياق دقيق تتقاطع فيه التحدياتُ وتتعاظم فيه المسؤوليات، وتتأكد فيه الحاجة إلى استنهاض كل الطاقات الحية في الأمة، وفي مقدمتها طاقات النساء المؤمنات الواعيات.
فالعالم من حولنا يعيش تحولاتٍ عميقةً واضطراباتٍ متسارعةً؛ حروبٌ ونزاعاتٌ، واتساعُ دوائر الظلم والاستضعاف، وتراجعٌ للقيم الإنسانية أمام منطق القوة والمصلحة. شعوب أمتنا العربية والإسلامية تعيش أزماتٍ تَمَسُّ الإنسان في وعيه وقِيَمه وأمنه واستقراره، كما تَمسُّ الأسرةَ في تماسكها ووظيفتها التربوية، في ظل أنظمة أغلبها منبطح متخاذل، أنظمة باعت ثرواتِها وشعوبَها وضمائرَها في تطبيع فاضح مع الكيان الصهيوني الغاصب وأوليائه من المستبدين. خيانة يؤدي ثمنها المستضعفون، في مقدمتهم إخوتُنا في أرض فلسطين الجريحة، وفي القلب منها غزةُ الصامدة التي ما يزال أهلها إلى اليوم يقدمون للعالم دروسا في اليقين والصمود والثبات.
أما في واقعنا المغربي، فالأعطاب تتناسل والتحديات تزداد على كل المستويات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا، أعطاب لم تُجدِ معها لعقود الوعود الكاذبةُ، ولن تجدي معها كل مساحيق تجميل هذا الواقع، من شعاراتِ الحكامة والديموقراطية، وبرامجِ التنمية، والخططِ الاستعجالية والمتأنية، وانتخاباتِ المؤسسات الشكلية، إن لم تحضر الإرادة الحقيقية للتغيير، التي تعترف بسيادة الشعب، وتحترم إرادته، وتُشرِكه في كل ما يَمَسُّه من سياسات وقرارات.
كل هذه التحدياتِ تجعل سؤال الفعل المجتمعي بالنسبة إلينا سؤالاً ملحاً، وتجعلُ انخراط المرأة في البناء والإصلاح ضرورةً لا ترفاً، ولكن السؤال الأدقّ الذي نجتمع عليه اليوم هو: أيَّ فعلٍ نسائي نريد اليوم؟
هل نحتاج مجردَ حضورٍ نسائي يؤثث المشهدَ المجتمعي؟ أم نحتاج حضوراً واعياً برسالته، مدركاً لتحديات عصره ومجتمعه، قادراً على الإسهام في بناء الإنسان وإصلاح العمران بما يحتمله هذا التعبير من معاني وتفاصيل؟
أخواتي الكريمات: إن شعارَنا المؤطرَ لهذا المجلس ينتظم حول أربعةِ مفاتيحَ أساسيةٍ لفهم رسالتنا:
أولها: “فعل نسائي”. لماذا؟
– أولا: لأن الفعل النسائي في تصورنا المنهاجي ليس حديثا عن دور هامشي أو ظرفي للمرأة، بل هو منها شراكة كاملة في حمل همِّ الأمة وبناء الإنسان، وهي ميادينُ للمرأة فيها عبر التاريخ أثرٌ عظيم.
– ثانيا: لأن المرحلةَ لم تعد تحتمل الاكتفاءَ بالتشخيصِ أو التأسفِ أو الانتقادِ أو التمنّي أو انتظار المبادرات من الآخرين. بل إنَّ ما يُحيط بنا من تحولاتٍ عالمية، وما تعيشه أمتنا من استضعاف وتمزيق، وما يعتري مجتمعاتِنا من اختلالات، وما يتطلبه تغيير واقعِ النساء من مبادرات وجهود، يفرض علينا أن نكون في ميادين الفعل وجبهات التدافع.
ثانيها: فعلٌ نسائيٌ “واعٍ”
ولا نقصد هنا بالوعي أن يكون للمومنة فقط حظٌّ من ثقافة أو معرفة نظرية، بل المقصود أن يكون لها وعي برسالة المرأة الاستخلافية، وعي بقدراتها وإمكانياتها التي ميزها الله تعالى بها. وعي بوظائفِها وأدوارِها. وعي بتحديات الأمة، وبالتحولات العالمية التي تستهدف الإنسان والأسرة والقيم. وعي بمجالات فعلها المجتمعي وحدوده وضوابطه ووسائله وأدواته.
ثالثها: فعل نسائي “مسؤول”
المسؤولية في ديننا أمانة، من وفَّقَه الله تعالى لأدائها بحقها نال سعادة الدارين، والمسؤوليةُ في فعلنا النسائي مفتاحُها خشيةُ الله عز وجل، وإخلاصُ النية، والصدقُ في العمل، والشهودُ بالحق، وطلب العدل، والإرشاد للإحسان. المسؤولية في فعلنا قدوة من النفس، ومواساة واحتضان، ومشاركة وإشراك في البناء والتغيير.
رابعها: “بناء الإنسان وإصلاح العمران”
ارتباط فعلِنا النسائي بالإنسان والعمران برهانُ رؤية عميقة لمكامن الانحرافات والخلل في مجتمعاتنا وفي العالم بأسره. وقد كان إمامُنا المرشد رحمه الله تعالى يؤكد دائما على أن أزمةَ الأُمَّةِ في جوهرها هي أزمةُ إنسان قبل أن تكون أزمةَ مُؤسسات أو إمكانات. فالإنسان هو أساس كل عمران، وهو غايتُه، وإذا صلُح الإنسان والمجتمع أمكن أن يقومَ عمران. وهنا نؤكد أن العمرانَ الذي نَنشُده ليس مجردَ عمران مادي تُشادُ فيه البنايات الفارهة، وتُنجز فيه المشاريع العظيمة، بل هو عمرانٌ تصان فيه كرامة وقيمة الإنسان، تسوده قيمُ العدل والإحسان والشورى، وتُبنى فيه العلاقات على الأخوة والمحبة والرحمة والتكافل.
الأخوات الكريمات:
إن ما تشهده الإنسانيةُ اليوم من اضطراب في القيم، وما تشهده أمتُنا من ضُعف ووهن، وما يشهده مجتمعنا من تحديات متراكمة، لا يحتاج إلى حضور شكلي للمرأة، وإنما يحتاج إلى حضورها الواعي، المؤهَّل، المبادِر، المقتحِم للعقبات، القادرِ على تحويل القيم والأفكار إلى مبادرات ومشاريع، ومن هنا تكتسب لقاءاتنا معناها، ويكتسب هذا المحفل أهميتَه؛ باعتباره فضاءً للتفكير والتداول في سبل الارتقاء بفعلنا النسائي، وتوسيع مجالات أثره خدمة للإنسان وإسهاماً في إصلاح العمران.
نسأل الله تعالى أن يبارك أشغال هذا المجلس، وأن ييسر أمورنا، ويوفقنا لحمل الأمانة وأداء الرسالة، وأن يستعملنا في خدمة دينه والإنسانيةِ جمعاء، وأن يرحم مرشدنا الإمامَ عبدَ السلام ياسين رحمه الله الذي علمنا أن المرأة ليست فقط قضيةً وموضوعاً للإصلاح، بل هي ذاتٌ مُصلحة، مُربية، صانعةُ أجيال، وفاعلةٌ في مختلِف مجالات الخير والبناء والإصلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
المكتب الوطني للقطاع النسائي
الأحد 12 محرم 1448هـ/ الموافق لـ28 يونيو 2026م