في “رجل ومسار”.. ذ. عبادي يقف عند محطة رحيل الإمام المرشد وتحمّله مسؤولية الجماعة

Cover Image for في “رجل ومسار”.. ذ. عبادي يقف عند محطة رحيل الإمام المرشد وتحمّله مسؤولية الجماعة
نشر بتاريخ

وقفت الحلقة الجديدة من برنامج “رجل ومسار”، مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، عند محطة بارزة في تاريخ الجماعة والمغرب؛ محطة رحيل الإمام المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، يوم 13 دجنبر 2012، الموافق لـ28 محرم 1434.

واستعاد الأستاذ عبادي، خلال هذه الحلقة، لحظة تلقي خبر الرحيل، وما خلفه غياب الإمام من أثر في نفوس أبنائه ومحبيه، كما تحدث عن السنوات الأخيرة من حياته، وعن إعداد الجماعة لهذه المرحلة، وعن الشورى التي طبعت تدبير شؤونها، قبل أن يقف عند سؤال الصحبة والجماعة، وانتقال المسؤولية بعد الوفاة، وما أضافه الإمام المرشد رحمه الله تعالى في مجالات التربية والفقه وقراءة التاريخ واستشراف مستقبل الأمة.

“تلقينا الخبر بالرضا بقدر الله”
وقال فضيلة الأمين العام إن خبر وفاة الإمام المرشد “لم يكن صاعقة”، لأن الموت حق وباب كل واحد منا سيدخله، غير أن ألم الفراق كان صعبا؛ فقد كان الإمام، في وجدانه ووجدان أبناء الجماعة جميعا “أبا وأما وأخا وملاذا ومعلما ومرشدا”، وأضاف أن الإيمان بقضاء الله وقدره ثبتهم في تلك اللحظة، وأنهم ما يزالون يستشعرون حضوره بينهم، إذ فارقهم “شبحا”، لكن روحانيته ما تزال تسري في مجالسهم ولقاءاتهم، حتى كأنه حاضر بين أيديهم.

واستحضر الأستاذ عبادي آخر لقاء جمعه بالإمام المرشد رحمه الله قبل وفاته بنحو أسبوع، حين كان في أواخر أيامه طريح الفراش لا يقدر على الكلام، فقرأ عنده شيئا من القرآن، فرأى عينيه تدمعان. ولم تكن هناك، كما أوضح، وصية خاصة موجهة إليه، بل كانت وصايا الإمام عامة لجميع الإخوان، وفي مقدمتها التعلق بالله سبحانه وتعالى والسير على منهاج النبوة. وعلى المستوى الشخصي، وصف الأستاذ عبادي الفراق بأنه كان صعبا جدا، بحكم طول الصحبة وعمق العلاقة، غير أن العزاء بقي فيما اقتبسوه من روحانية الإمام، وفي وصيته التي كان يذكر فيها بأن “برازخ الموت لا تحجب الصلة الروحية والقلبية”، وهي الصلة التي ظل أبناء الجماعة يعيشونها بعد رحيله.

“ترك الجماعة على أحسن ما يرام”
توقف الأستاذ عبادي عند السنوات الأخيرة من حياة الإمام المرشد رحمه الله، مؤكدا أنه كان “يمهد لأن يترك الجماعة على أحسن ما يرام”. فقد هيكل مجلس الإرشاد للقيام بمسؤولية الجماعة، وصار تسيير شؤونها بيد مؤسساتها، حتى بدا وكأنه يتهيأ لمغادرة الدنيا، تاركا الجماعة قائمة بمؤسساتها وحركتها وتوجهها ومسارها.

وأوضح الأمين العام أن الجماعة لم تجد بعد وفاته صعوبة في المضي في طريقها، لأن كل شيء كان ممهدا وميسرا؛ من برامج وأنشطة وخطوط عريضة وضعها الإمام المرشد بنفسه، إلى منهاج نبوي واضح يرسم طريقة العمل والبناء.

ولم يكن هذا الإعداد، في نظر الأستاذ عبادي، مجرد ترتيب تنظيمي مرتبط بمرحلة صحية معينة، فقد كان جزءا من أسلوبه التربوي؛ إذ كان يهيئ رجال المستقبل، ويربي أبناء الجماعة على أن تعتمد على نفسها، وألا يكون تعلقها بشخصه، بل بالله سبحانه وتعالى وبمنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي الجواب عن الصورة التي كانت تشاع خارج الجماعة، ومفادها أن الإمام المرشد كان الآمر الناهي، قال الأمين العام إن من عاش داخل الجماعة وعرف كيف تسير الأمور يدرك خلاف ذلك. فقد كان الإمام، خلال المجالس، يلتزم الشورى ولا يستبد برأي معين، وقد يكون له رأي خاص، فإذا ذهب أكثر الإخوان إلى رأي آخر تنازل عن رأيه وبارك رأي الجماعة، طمعا في بركة الشورى.

“المعاصرة حجاب”
ولم يخف الأستاذ عبادي أن رحيل الإمام المرشد ترك أثرا كبيرا من الناحية الشعورية على العائلة والجماعة وكل من عرفه، غير أن ذلك لم يغير سير الجماعة العملي في الدعوة إلى الله تعالى. فما كانت تمارسه في حياته واصلته بعد وفاته، وبقيت الروحانية التي كانت تعاش في مجالسه حاضرة في مجالس الجماعة.

كما توقف المحاور عند الشهادات الكثيرة التي صدرت بعد الرحيل، داخل المغرب وخارجه، وحملت معاني التقدير والاحترام والامتنان لما قدمه رحمه الله للمغرب وللأمة، حتى من بعض من كانوا في حياته يخالفونه أو يسيئون إليه. وفسر الأستاذ عبادي هذا التحول بعبارة “المعاصرة حجاب”، موضحا أن التنافس أو الحسد أو هواجس الزعامة قد تحجب مكانة الرجال أثناء حياتهم، سواء في المجال السياسي أو الدعوي، أما بعد الوفاة فتنتفي تلك الأعراض، ويصبح للإنسان مكانته في قلوب الناس، فيندمون ويتأثرون ويقدرونه حق قدره.

“كان مجددا بما تعني الكلمة من معنى”
وفي حديثه عما أضافه الإمام المرشد للمغرب وللأمة، وصفه الأستاذ عبادي بأنه كان “مجددا بما تعني الكلمة من معنى”، في مجالات متعددة، أولها المجال التربوي. فقد أرجع التربية إلى أصولها كما كانت في عهد النبوة والخلافة الراشدة، بعد أن غلبت، عبر التاريخ، الصحبة الفردية بين المربين وتلامذتهم. ومن أبرز وجوه هذا التجديد، وفق حديثه، ربط العدل بالإحسان، وإعادة النظر في كثير من الوسائل والأشكال التربوية التي استحدثها الناس بحسب الزمان والمكان والحال والشخص، حتى صارت أحيانا عائقا في سلوك الطريق إلى الله تعالى. وقد أراد الإمام المرشد أن تبقى الأوراد والوسائل التربوية على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي المجال الفقهي، نادى الإمام المرشد بـ“الفقه الجامع”، بعدما أصبح الفقه في التاريخ الإسلامي مجزأ، وفصلت فيه الأحكام المتعلقة بالفرد عن الجماعة وعن السياسة. كما نقل علم الأصول، كما أوضح الأستاذ عبادي، من “صيغة الحافظية” إلى “صيغة المطالب”، معتبرا أن المرحلة لا تتعلق فقط بما ينبغي الحفاظ عليه، بل بما يجب إيجاده أولا من أصول، ثم الحفاظ عليه بعد ذلك.

أما في قراءة التاريخ، فقد خالف الإمام المرشد النظرة التي تعد كل المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية داخلة في الخلافة، مؤكدا أن الخلافة انتهت بانتهاء عهد سيدنا الحسن رضي الله عنه، وأن ما تلا ذلك من العهد الأموي والعباسي والعثماني لم يكن خلافة قائمة بالمعنى الراشد، بل أطوارا من الملك. ومن هنا جاء اهتمامه بمستقبل الإسلام، وبسؤال إحياء الأمة والنهوض بها، حتى كان يقول: “الناس كانوا يؤرخون للماضي ونحن نؤرخ للمستقبل”.

“ربط الصحبة بالجماعة”
شكل موضوع الصحبة أحد الأسئلة الكبرى بعد رحيل الإمام المرشد رحمه الله، لكنه لم يكن سؤالا طارئا بعد الوفاة، بل كان مطروحا في حياته من خلال الحوارات والاستجوابات، بل أعدت فيه مسودة عرضت عليه فوافق عليها. وفي هذا السياق، أوضح الأمين العام أن تجديد الإمام في هذا الباب تمثل في أنه “ربط الصحبة بالجماعة”. فالصحبة انفصلت عن الجماعة بعد الخلافة الراشدة، وغلب عليها المعنى الفردي، بينما أعادها الإمام المرشد إلى أصلها، أي إلى صحبة داخل جماعة تحمل مشروعا جهاديا يتغيى إعادة الخلافة على منهاج النبوة.

ولشرح عبارتي “الصحبة والجماعة” و“الصحبة في الجماعة”، عاد الأستاذ عبادي إلى عهد النبوة، حيث لم تكن علاقة الصحابة رضي الله عنهم برسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة أفراد متفرقين فقط، بل كانت علاقة جماعة اجتمعت على مشروع. وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ينحصر الإرث النبوي في شخص واحد، بل كان النور الذي تشربه الصحابة موزعا بينهم، فكان التابعون ومن بعدهم يتشربون هذه المعاني من خلال صحبتهم للصحابة، وفي الوقت نفسه يحافظون على المشروع الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا المعنى، فإن من لم ير الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من أبناء الجماعة يأخذ حظه من الصحبة من المجالس، ومن الذين صحبوه، ومن آثاره وتوجيهاته، لتبقى الصحبة والجماعة والصحبة في الجماعة معاني سارية في الأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

“رباط الحب في الله”
بعد أقل من عشرة أيام على رحيل الإمام المرشد، عقدت الجماعة مجلس الشورى الاستثنائي، الذي تم فيه انتخاب مسؤول جديد على رأسها، يقول الأستاذ عبادي، ويضيف بأن الإخوان قضوا تلك المدة في جلسات تربوية، يستخيرون الله سبحانه وتعالى ويدعونه أن يلهمهم من ينتخبون، وأن المسارعة إلى عقد المجلس جاءت حتى لا تبقى الجماعة دون رأس ودون قيادة. وجرى هذا الانتقال، كما أبرز المتحدث، بسلاسة وبساطة، خلافا لتوقعات كثيرة كانت تتحدث عن إمكان وقوع خلافات أو شقاقات بعد رحيل الإمام المجدد. وفسر الأستاذ عبادي ذلك بما أسسه الإمام المرشد في الجماعة من “رباط الحب في الله”، وهو رباط يتنافى مع مطالب الدنيا والأنانية وشهوات النفس، ويجعل أفراد الجماعة يسلمون لما تختاره الشورى.

وفي استعادة لأجواء مجلس الشورى، أوضح الأستاذ عبادي أن قانون الانتخاب كان مهيأ من قبل، وأن العملية عرضت على مجلس الشورى. وفي ثقافة الجماعة، لا يرشح أحد نفسه، وإنما ترشح الجماعة من تراه. وفي الدورة الثانية من الانتخاب، اختير الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما، وهي مسؤولية عبر عنها بقوله: “ابتلاني الله سبحانه وتعالى بهذه الأمانة التي لست لها أهلا”، مضيفا أنه لم يكن يتصور أن يقع عليه الاختيار، لكنه استسلم لرأي الجماعة وشوراها وفوض أمره إلى الله عز وجل.

وعن معنى تحمل المسؤولية بعد رجل من طينة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، قال الأستاذ عبادي: “من يستطيع أن يخلف الإمام؟”، مؤكدا أن الأمر كان رضوخا لرأي الجماعة وشوراها، وأن “الجماعة هي التي تحملنا ولسنا نحن من يحملها”، لأنها كانت على بينة من أمرها، وكل شيء واضح في المنهاج النبوي الذي رسمه الإمام المرشد.

“تغير الشكل”
بين مرحلة المرشد العام ومرحلة الأمين العام، قال الأستاذ عبادي إن الذي تغير هو الشكل، “فالرجل ليس هو الرجل”، لكن روح الجماعة وما بثه الإمام المرشد فيها ما زال يسري فيها. فقد افتقدت الجماعة الإمام لكن توصياته وآراءه ومنهاجه وروحانيته ما تزال تسري في القلوب والمجالس. وفي سياق متصل، تحدث عن الورش التنظيمي والهيكلي الذي فتحته الجماعة قبل رحيل الإمام المرشد، موضحا أن مشروع الجماعة فيه ما هو ثابت وما هو متغير. فالثابت هو الأصول والمبادئ الأساسية، وخصوصا السير إلى الله سبحانه وتعالى، أما الهياكل التنظيمية والوسائل فهي دائمة التجدد بحسب ما تقتضيه الظروف والمرحلة.

وعن تعدد المجالس والقطاعات والمكاتب داخل الجماعة، في مجالات التربية والدعوة والعمل السياسي والنقابي والنسائي وغيرها، أوضح الأستاذ عبادي أن مجلس الإرشاد يتنازل تدريجيا عن المجال الإداري ويفوضه للإخوان المؤهلين، ليتفرغ لما كان الإمام المرشد يهيئه له، وهو الإشراف التربوي. وما يزال المجلس يشرف على بعض الأمور التدبيرية، لكنه يسعى إلى إسنادها لمن هو مؤهل لها حتى يتفرغ أكثر للمجال التربوي.

“من الذين بنيت عليهم الجماعة”
وختم الأستاذ عبادي الحلقة بشهادة في الأستاذين فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل، وهما من رجالات مجلس الإرشاد ومن أعمدة الجماعة. واستحضر ما بذلاه من جهد منذ التحاقهما بالجماعة، داعيا الله تعالى أن يجزيهما خير الجزاء.

وتحدث عن الأستاذ فتح الله أرسلان، مستحضرا كيف كان يجوب بدراجته النارية مختلف المناطق من مكان إلى آخر، وكيف كان بيته مفتوحا للإخوان حاضرا كان أو غائبا، كما ذكر أنه سافر مرة بالحافلة من الرباط إلى أكادير، ثم رجع في اليوم نفسه، وما إن وصل إلى الرباط حتى أخذ الطريق مباشرة إلى أكادير من جديد. أما الدكتور عبد الواحد المتوكل، فعده من أعمدة الجماعة الذين ورثوا روحانية الإمام وفقهه ونظرته إلى الأمور، وما يزالون يقدمون للجماعة ما يملكون من إمكانات.