أطلّ الدكتور عمر احرشان مجددا عبر بودكاست “مساحة وضوح” ليسلط الضوء على أربع قضايا مفصلية تشغل الوجدان العربي والمغربي، لكل واحدة منها دلالتها السياسية والحقوقية والإنسانية، حيث تنوعت محاور الحلقة بين أخلاقيات المقاومة في غزة، ومآلات الانتقال الديمقراطي في تونس، وذاكرة “شهداء الكومير” في المغرب، ومعضلة القوانين التنظيمية المعطلة للدستور.
فلسطين: وجه المقاومة الإنساني مقابل “بشاعة” الاحتلال
استهل احرشان حديثه بجرح غزة الغائر، وبجرائم الكيان الغاصب التي تجاوزت كل الحدود، واضعا مقارنة أخلاقية وحقوقية بين سلوك المقاومة الفلسطينية وسلوك الكيان المحتل تجاه الأسرى، حيث استشهد بصورة القيادي في حماس حسن يوسف بعد الإفراج عنه، وهو منقول على سرير، في حالة تكشف حجم المعاناة وسوء المعاملة داخل سجون الاحتلال. كما استحضر أيضا وضع الطبيب الأسير حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، الذي ظل معزولا عن العالم حتى إنه لم يكن يعلم باستشهاد الصحفي أنس الشريف.هذه المشاهد المؤلمة تقابلها صور أخرى لأسرى الاحتلال عند المقاومة أثناء صفقات التبادل، حيث ظهرت شهادات عن حسن المعاملة رغم قسوة الظروف وقلة الإمكانيات. ومن هنا تبرز المفارقة الواضحة بين الوجه الإنساني للمقاومة، التي تحترم إنسانية الإنسان وكرامة الأسير، والوجه البشع للكيان المحتل، الذي يضرب حقوق الأسرى والاتفاقيات الدولية عرض الحائط. لذلك فإن من يدعم المقاومة إنما يدعم حقا إنسانيا، ومن يدعم الاحتلال فهو يدعم مجرما ضد الإنسانية، مهما حاول المطبلون له تبييض صورته.
تونس: مآسي سوء تدبير الانتقال الديمقراطي
انتقل البودكاست إلى تونس “مهد الربيع العربي” ليرصد النتائج الوخيمة لما وصفه بـ “سوء تدبير مرحلة التحول”، وتوقف احرشان عند الحكم بالمؤبد على الشيخ راشد الغنوشي، الذي يبلغ من العمر 84 سنة، وما زال في السجن دون اعتبار لصفته وسنه ورمزيته. وهذا الحكم ليس إلا واحدا من أحكام كثيرة طالت قيادات من حركة النهضة ومن شركاء ثورة 2011، وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي. وأكد المتحدث أن الغنوشي شخصية فكرية وسياسية كبرى في الفكر والعمل الإسلامي الحديث، عُرف بالسلمية والوسطية والديمقراطية، وساهم في تجسير العلاقة بين الإسلاميين والقوميين واليسار، كما كان له دور في تطوير الفكر السياسي الإسلامي في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والمرأة. لذلك تبدو التهم الموجهة إليه غير قابلة للتصديق لمن يعرف مساره وكتاباته.
واعتبر ما حدث في تونس قد قدم درسا مهما حول سوء تدبير مراحل التحول الديمقراطي، فقد كان تفكيك التوافق بين شركاء الثورة خطأ كبيرا، كما أن الانتقال المبكر من منطق الثورة إلى منطق الدولة، قبل ترسيخ الديمقراطية مما فتح الباب أمام الثورة المضادة. بالإضافة إلى التجربة التونسية تعلّمنا أن الأولوية في المراحل الانتقالية يجب أن تكون للتوافق لا للتنافس، ولبناء الثقة بين شركاء الثورة، وللمزاوجة بين الانتقال السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما تعلمنا ألا نبحث في الفترات الانتقالية عن «العصفور النادر»، بل عن المرشح المبدئي الذي لا يبيع الوهم ولا ينقلب على الثورة، فعدم التحالف مع مرشح مبدئي في انتخابات 2019، أفسح المجال للصعود “الشعبوي” الذي اعتبره احرشان خطرا على الدولة والمؤسسات، وأكد أن الدرس التونسي يثبت أن التوافق بين شركاء الثورة أولى من أي تحالفات أخرى لترسيخ الديمقراطية.
المغرب: 20 يونيو 1981 وندوب “سنوات الرصاص“
عاد احرشان إلى ذاكرة المغرب في 20 يونيو 1981، أو ما عُرف بانتفاضة “شهداء الكومير”، فقد كانت محطة أليمة بصمت تاريخ المغرب بمداد من الدم حيث جاءت الاحتجاجات في سياق الزيادة في أسعار مواد غذائية أساسية، تحت ضغط توصيات صندوق النقد الدولي، ثم أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إضرابا عاما تحول إلى لحظة سياسية واجتماعية كاشفة. ففي الدار البيضاء، وخصوصا في الحي المحمدي ودرب السلطان ومناطق أخرى، كان التدخل الأمني عنيفا، والاعتقالات عشوائية، والانتقام مبالغا فيه، وذكر المتحدث أن الإحصائيات الرسمية قالت إن الحصيلة كانت 66 قتيلا، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أعداد أكبر بكثير، في حين أشارت هيئة الإنصاف والمصالحة إلى 114 قتيلا، أما المعتقلون فقد بلغوا الآلاف، وتحدثت تقارير حقوقية عن حوالي 26 ألف معتقل بدون محاكمة وفي شروط غير إنسانية.
انتقد إحرشان تعامل السلطة “الوحشي” آنذاك، معتبرا أن السلطات استسهلت العنف السياسي لمواجهة مطالب اجتماعية، حتى وصل الأمر إلى دفن بعض الضحايا جماعيا في حفر قريبة من الشارع، وروى من تفاصيل طفولته في “الحي المحمدي” بالدار البيضاء، حيث كان يلعب الكرة مع أقرانه فوق أرضية تم “تزفيتها” لاحقا، ليكتشفوا أنها كانت مقبرة جماعية لضحايا تلك الأحداث. كما أشار إلى أن جرح تلك الحقبة لم يندمل تماما، نظرا لعدم التنزيل الكامل لتوصيات “هيئة الإنصاف والمصالحة” وعدم وضع ضمانات حقيقية لعدم التكرار، مما ترك أثرا سلبيا في تنشئة جيل كامل، وبقيت هذه الأحداث عالقة في ذاكرة المغاربة، كما بقي وصف إدريس البصري للضحايا بأنهم «شهداء الكوميرا» رمزا للاستهزاء بمعاناة الناس. ولا يمكن القول إن الصفحة طويت فعلا، لأن جبر الضرر لم يكن في المستوى، ولم تنفذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة كما ينبغي، ولم توضع ضمانات كافية لعدم التكرار، ولم تتم محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم. لذلك يبقى ملف الحقيقة والإنصاف والمساءلة مفتوحا، وتبقى الذاكرة شرطا ضروريا حتى لا تتكرر المأساة.
الدستور المغربي 15 عاما من “الانتظار”
أما القضية الرابعة والأخيرة فهي قضية الدستور في المغرب، فبعد مرور خمس عشرة سنة تقريبا على إقرار الدستور سنة 2011، ما تزال فصول منه غير مكتملة، وما تزال حقوق أساسية مرتبطة بقوانين تنظيمية لم تصدر أو تأخرت طويلا. وهذا يؤكد حسب إحرشان أن الدستور المنقوص أو الممنوح لا يمكن أن يؤسس لديمقراطية كاملة، ولا حتى لنصف ديمقراطية. من بين الحقوق التي رُوج لها كمكتسب في دستور 2011 حق المواطنين في الدفع بعدم دستورية قانون، المنصوص عليه في الفصل 133، غير أن ممارسة هذا الحق ظلت متوقفة على صدور قانون تنظيمي يحدد شروطه وإجراءاته. وغياب هذا القانون جعل الحق قائما من حيث المبدأ، لكنه معطل من حيث الممارسة. وهذا يعني أن المواطن قد يملك حقا على المستوى النظري، لكنه لا يستطيع استعماله ما دام الشرط القانوني غير متوفر.
إن هذه القضية (مثل الدفع بعدم الدستورية وكذلك الحق في الإضراب) تكشف مفارقة دستور ينص على مبادئ متقدمة، لكنه يربط ممارستها بتفاصيل قانونية ومؤسساتية تؤخرها أو تفرغها من معناها. ولذلك، بالنسبة لإحرشان، ونحن نقترب من ذكرى دستور 2011، يظل السؤال مطروحا حول حصيلته، وحول الحاجة إلى دستور ديمقراطي فعلا، في الشكل والمنهجية والمضمون والتأويل، يؤمن للمغاربة ضمانات ممارسة حقوقهم، ويطوي الصفحات السوداء من سجل البلاد الحقوقي بكشف الحقيقة، وإقرار ضمانات عدم التكرار، وتأمين عدم الإفلات من المساءلة.