قراءات في الوهج الأدبي عند الإمام 2 | من محراب التوبة إلى قدس الصلاة

Cover Image for قراءات في الوهج الأدبي عند الإمام 2 | من محراب التوبة إلى قدس الصلاة
نشر بتاريخ

لا يقارب شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بوصفه ترفا لغويا أو نزوة جمالية منفصلة عن مشروعه، بل باعتباره امتدادا طبيعيا لروح تربوية تشكلت مبكرا في حضرة القرآن ومعانيه. لذلك يبدو من الأجدى، في قراءة تطبيقية، اختيار نموذجين يكشفان عن وحدة المنهج داخل التجربة الشعرية: نموذج يعيد بناء الإنسان من الداخل عبر خطاب التوبة، ونموذج يصل هذا البناء الداخلي بقضية كبرى تمتحن الضمير الجماعي، هي فلسطين والقدس. وفي هذين النموذجين تتجلى وظيفة الشعر عند الإمام بوصفه وسيطا للتربية؛ يوقظ، ويذكر، ويستنهض المعنى في صيغة مكثفة قابلة للحفظ والتداول، دون أن يتنازل عن حرارة الوجدان ورهافة الخطاب.

1- مثال توبوي من المنظومة الوعظية: التوبة بوصفها عودة إلى نور الكتاب

يقول الإمام رحمه الله تعالى:

جاءكَ الذِّكرُ في كتابٍ كريمٍ

جاءك الذكر، خنته، ونسيته

جاءكَ الهُدى في كتابٍ حكيمٍ

للصِّراطِ القويمِ، هلا سلكتَه؟ 1

القراءة الأدبية

تتأسس هذه المقاطع على بنية النداء والإيقاظ؛ فالإمام الشاعر رحمه الله تعالى، لا يصف التوبة بوصفها حالة ذهنية مجردة، بل يصوغها في هيئة استدعاء مباشر للضمير الغافل، عبر تتابع دلالي محكم يجمع بين الذكر والهدى والصراط المستقيم، هذا التدرج ليس زخرفا لغويا؛ بل سلم تربوي يضغط المعنى باتجاه واحد؛ ذلك أن التوبة ليست مجرد ندم على خطإ، بل عودة إلى مركز الهداية حيث يكون الكتاب مرجع التصحيح وإعادة التوجيه.

البلاغة والإيقاع

أبرز ما يلفت هنا هو التوازي التركيبي في الشطرين الأولين: “جاءك…  ثم  جاءك…” هذا التكرار يشي بفيض العرض الإلهي ورحمته، كأن الهدى يطرق الباب مرتين، ثم تأتي الجملة الاستفهامية “هلا سلكته؟” لتؤدي وظيفة العتاب الرحيم لا التوبيخ الجارح؛ إذ تتحول الاستفهامات في الشعر الوعظي من طلب الجواب إلى إقامة الحجة على النفس، وإلزامها بموقف أخلاقي واضح: ما دام الطريق معروضا، فالتقصير ليس في الدليل بل في السالك.

الدلالة التربوية… التوبة اختيار مسؤول

لا يكتفي الخطاب بتشخيص الداء (الغفلة)، بل يحدد الدواء بدقة من خلال الرجوع إلى الذكر والهدى، وبهذا تتخذ التوبة قيمة علمية بمعناها المنهاجي: التوبة قلب دولة، دولة النفس أساسا لتسلك إلى ربها الرحيم. التوبة انتقال من التشتت إلى معيار ضابط، ومن الانفعال إلى سلوك مقصود؛ فالتائب هنا ليس مجرد باك على الأطلال، متحسر على ما فات، بل سالك للصراط وفق شرع الله تعالى الكريم.

2- مثال حول فلسطين من ديوان قطوف: القدس بوصفها ذاكرة الأمة ومرآة سقوطها ونهوضها

يقول الإمام رحمه الله تعالى:

طالتْ يدُ الأعداء فانفَضَّت جمُوعْ

تركوكَ يا قدسَ الصلاة وهم خُنُوعْ

قد كنتَ للأصحابِ أولَ قِبلة

يُولون نحوك بالوجوه وهم خُشُوعْ

فتَحَتكَ للدِّينِ الحنيفِ كتائِبٌ

فاروقُهم بالزّحف كان له وَلُوعْ

من بعد ذا كَرَّ الصليبُ فما ثَوَى

حَتَّى انْبَرَى الأسدُ “الصلاح” إلى الرُّبُوع

ومضى الزمانُ فجاء خَلف خامِلٌ

أَلِفَ الخضوع لحاكم، أَلِفَ الركوعْ

أَبْشر، أيا قُدسَ الصلاة، فقد بدتْ

شَمْسُ الخلافة ثانيا ولها سُطُوعْ

ثم الصلاة على النبي وآله

مَنْ حُبُّهُ مِلْءُ الحشَا حَشو الضُّلُوع 2

القراءة الأدبية

يدخل الشاعر إلى فلسطين من باب شديد الذكاء: باب القدس قبلة الصلاة الأولى؛ فيربط المكان بالعقيدة ربطا عضويا، ويجعل التفريط في القدس صورة من صور اختلال البوصلة الروحية. نلاحظ أن القصيدة تسند فعل الخذلان إلى المثبطين المتخاذلين، الذين تركوها للعدى، بينما تُبقي القدس في مقام المخاطَب المفرد “يا قدس الصلاة”؛ وكأن القدس، في المخيال الشعري، شخص حي تُخاطب كرامته وتُستثار عاطفة القارئ لأجلها.

التصوير والمفارقة

عبارة “وهم خنوع” تنتج مفارقة حادة؛ إذ ليس الترك هزيمة عسكرية فقط، بل انكسار نفسي وأخلاقي، ثم يجيء الشطر الثاني ليقيم حجة التاريخ على الحاضر فالحديث عن أول قبلة، ليست معلومة سردية، بل شحنة رمزية تستنهض معنى الأصل والمنزلة؛ فإذا كانت القدس أول قبلة، فإن التخلي عنها يبدو كأنه تخلٍّ عن جزء من تعريف الذات الجماعية.

البناء الصوتي ووظيفة القافية

القافية الموحدة في هذا المقطع، المتمثلة في صوت العين المسكونة، تمنح النص نبرة قريبة من الأنين والرجع، فتخدم موضوع الرثاء والشكوى، وتُحول الإيقاع إلى أداة ضغط وجداني، وكل عودة إلى القافية تعيد القارئ إلى الجرح نفسه، وكأن الصوت يصر على تذكيرنا بأن القضية ليست عابرة.

الدلالة الحضارية

القصيدة لا تقف عند حد التحسر، بل تعيد تعريف فلسطين بوصفها ميزانا لصدق الأمة: فمن يفرط في “قدس الصلاة” يعري هشاشته في الداخل قبل الخارج. ومن هنا تكتسب الأبيات قيمة أدبية تتجاوز اللحظة السياسية إلى معنى أوسع؛ إذ الأمكنة المقدسة تتحول في الشعر إلى اختبارات للضمير الجمعي.

كما تذكر الأبيات القارئ ببشارة النبوة التي لا تتخلف، مهما كثر المخذلون، ومهما سكن الوهن قلوبهم، فأمتنا موعودة، وعودة الخلافة على منهاج النبوة يقين تشرئب إليه القلوب الصادقة.

تفضي القراءة التطبيقية لهذين النصين إلى نتيجة مركزية؛ ذلك أن شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، لا يقوم على التلوين الموضوعاتي بقدر ما يقوم على اتساق رؤيا تربط الداخل بالخارج، والوجدان بالفعل، والتزكية بالموقف. ففي خطاب التوبة، تتجلى القصيدة عتابا رحيما يرد النفس إلى صراطها، وفي خطاب القدس تتجلى ضميرا تاريخيا يستحضر المكان بوصفه مرآة لصدق الأمة. ومن ثم تتحدد قيمة هذه التجربة في مستويين متكاملين: قيمة أدبية تتجلى في وضوح العبارة، والتوازن الإيقاعي، وطاقة النداء والتذكير؛ وقيمة معرفية تربوية تجعل القصيدة نصا مُؤسسا للمعنى، لا مجرد استجابة انفعالية للحدث. وهكذا يغدو الشعر عند الإمام جزءا من مشروعه الكلي: صناعة إنسان يقظ القلب، واضح البوصلة، حاضر في قضايا أمته بوعيٍ ومسؤولية.

إذا كان محور التوبة في المنظومة الوعظية يشخص بداية الإصلاح من الداخل، عبر إيقاظ الضمير وإعادته إلى مركز الهداية القرآنية، فإن محور فلسطين في قطوف يترجم هذا الإصلاح إلى بعده الجماعي والحضاري؛ حيث تتحول القدس من مكان إلى معيار، ومن قضية سياسية إلى امتحان للهوية والوفاء. وبهذا تتضح وحدة التجربة الشعرية عند الإمام؛ فالتوبة ليست مجرد موضوع وعظي، بل قاعدةٌ منهجية لبناء الإنسان، وبناء الإنسان شرط لبناء الموقف، وبناء الموقف هو ما يمنح القضايا الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين، معناها الأخلاقي قبل معناها الإعلامي. ومن هنا يمكن فهم انتقال الإمام الشاعر من خطاب العودة إلى الله تعالى، إلى خطاب الوفاء للقدس لا بوصفه انتقالا بين موضوعين منفصلين، بل بوصفه اتساقا في الرؤية: رؤية تجعل الوجدان المُزكّى أساسا للوعي، وتجعل الوعي أساسا للفعل، وتجعل الشعر وسيطا تربويا يُقوي المعنى ويكثفه في صيغة قابلة للتذكر والتداول.


[1] المنظومة الوعظية، موسوعة سراج الإلكترونية، ص 43.
[2] قطوف 1، موسوعة سراج الإلكترونية، قطف 64.