كما كان متوقعا، أعلنت جماعة العدل والإحسان مقاطعتها للانتخابات، ودعت المغاربة إلى مقاطعتها. وفي قراءة أولية للبيان، أود أن أسجل بعض الملاحظات المقتضبة.
أول ما يلفت الانتباه، في تقديري، هو توقيت إصدار البيان، فقد اختارت الجماعة إعلان موقفها الرسمي من الانتخابات عشية انطلاق الحملة الانتخابية، وليس قبل ذلك بمدة، رغم أن الموقف كان محسوما. وهو توقيت يمكن أن تكون له دلالة تواصلية، من حيث الحرص على أن يكون موقف المقاطعة والدعوة إليها حاضرا بقوة في صخب الحملة الانتخابية. كما قد يعكس اختيار هذه اللحظة رسوخ القناعة بخيار المقاطعة، وربما أيضا رغبة الجماعة في تأكيد حضورها باعتبارها فاعلا سياسيا إلى جانب باقي الفاعلين في الساحة المغربية، لا طرفا منعزلا عنها أو واقفا خارجها.
أما في تعليل موقفها، فقد اختارت الجماعة لغة موجزة ومباشرة، واحتكمت أساسا إلى الوقائع والتجربة، معتبرة أن عقودا من الممارسة الانتخابية، بصيغتها الحالية، لم تنقل المغرب إلى الديمقراطية والحرية والعدل، بل أسهمت، في تقديرها، في تجدد الاستبداد والفساد وتغولهما، وأفضت إلى عزوف شعبي واسع. ومن الملاحظ هنا أنها لم تشر إلى تعليلات نظرية أكثر تعقيدا، واكتفت بحجة مباشرة تستند إلى حصيلة التجربة السياسية نفسها.
ويلاحظ أيضا تجنب البيان انتقاد المشاركين في الانتخابات مباشرة، رغم النقاش الساخن الذي شهدته الشهور الأخيرة بين دعاة المقاطعة ودعاة المشاركة، وركز بدل ذلك على ما اعتبره أصل المشكل: “إن مكمن الداء يتجلى في منظومة سياسية لا تملك فيها المؤسسات المنتخبة القرار السياسي الفعلي..”.
كما أن البيان لم يوجه نقدا مباشرا إلى شكل المنظومة، وإنما شدد على مضمون السلطة، من حيث مصدرها وحدودها وكيفية ممارستها. وقد يفهم من هذا الاختيار أن الجماعة تترك مجالا أوسع لإمكان التوافق الوطني حول مطلب التغيير، من دون جعل الخلاف حول شكل النظام السياسي محور النقاش، ما دام الأساس، في هذا النقد، هو مضمون السلطة نفسها لا شكلها.
ويمكن كذلك التوقف عند استعمال كلمة «منظومة» بدل «النظام»، وربما كان لهذا الاختيار دلالته، بالنظر إلى ما قد تحمله الكلمة الثانية، في التداول الإعلامي والسياسي، من معان ملتبسة، إذ قد يفهمها بعضهم بمعنى النظام والاستقرار في مقابل الفوضى واللانظام، بينما ينصرف نقد الجماعة إلى الاختلالات السياسية البنيوية.
ويثير الانتباه كذلك تأكيد البيان بشكل صريح أن قرار المقاطعة يشمل جميع أعضاء الجماعة. ويمكن قراءة هذه الصياغة باعتبارها توضيحا لموقفها التنظيمي، وربما جوابا ضمنيا عن بعض الآراء التي تذهب إلى أن الجماعة تقاطع مؤسساتيا، بينما يشارك بعض أعضائها في الانتخابات بصفات فردية.
ومن اللافت أيضا أن البيان ينهل، في لغته ومفاهيمه، من المعجم الذي سبق أن اعتمدته الوثيقة السياسية للجماعة، فنجد مفاهيم مثل الديمقراطية والحرية، والتداول الحقيقي على السلطة، والإرادة الشعبية الحرة، والمنافسة السياسية الحرة والعادلة، وحق المعارضة. ويمكن قراءة ذلك بوصفه تأكيدا لحضور الوثيقة السياسية في خطاب الجماعة، وتقديما مقتضبا لبعض معالم تصورها للمرحلة، بلغة سياسية عصرية واضحة ومفهومة لدى الجميع.
وفيما يظهر جوابا مختصرا عن سؤال البديل، يؤكد البيان أن المقاطعة لا تعني الانسحاب من الشأن العام، وأن الجماعة مستمرة في النضال من أجل «فتح أفق سياسي جديد يقوم على إرادة شعبية حرة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية»، دون تفصيل إضافي.
وعبارة «فتح أفق سياسي جديد» ربما تكون مفتاحية في فهم جانب من منطق الجماعة السياسي، فهي تشير إلى أن الجماعة لا تنظر إلى الواقع السياسي القائم باعتباره قدرا نهائيا، وإنما تنطلق من إمكان تجاوزه وفتح إمكانات جديدة لتغييره. وقد يصعب فهم منطق الجماعة أو الاقتناع بطرحها على من لا يرى في الأفق غير الواقع القائم.
ولعل استعمال البيان لكلمة «نضال»، بما تختزنه من دلالات الصمود والفعل الميداني والتضحية والبذل، يجيب ضمنيا عن جزء من سؤال «كيف؟» الذي يطرحه بعضهم في مواجهة خيار المقاطعة.
هو بيان دقيق ومكثف، يعكس قوة في الموقف، وهدوءا في الطرح، وكثيرا من الأمل في إمكان التغيير.