أصدرت الدائرة السياسية صباح يوم الأربعاء 9/9/2026 بيانا توضح فيه موقفها من انتخابات 23 شتنبر، والبيان، في تقديري، ليس مجرد دعوة إلى المقاطعة وعدم التصويت؛ بل هو موقف سياسي متكامل يعيد تعريف معنى المشاركة السياسية حسب رؤية وقراءة الجماعة. ويمكن تناوله في عدة مستويات:
1. الرسالة الأساس
الجملة الحاسمة هي: “تعلن جماعة العدل والإحسان مقاطعتها للانتخابات التشريعية… ودعوة المواطنين إلى مقاطعتها”، وهي بهذا تعبر عن موقف مزدوج: مقاطعة تنظيمية داخلية لأعضاء الجماعة، ودعوة سياسية أوسع للمواطنين. واللافت أن البيان لا يبرر المقاطعة أساسًا بعيوب تقنية في العملية الانتخابية، وإنما يطعن في ‘المنظومة السياسية التي تنتج الانتخابات’.
2. أين هو مكمن الداء؟
البيان يحدد جوهر المشكلة في ثلاثة مستويات مترابطة:
– غياب القرار السياسي الفعلي عن المؤسسات المنتخبة.
– غياب التداول الحقيقي على السلطة.
– التضييق على الحريات والمنافسة السياسية.
وهذا مهم جدا؛ لأنه يعني أن الجماعة لا تقول: هذه الانتخابات سيئة، فلنشارك في المرة المقبلة، بل تقول: المشكلة أعمق من الانتخابات نفسها، ولذلك فإن المشاركة في هذه الصيغة لا تعالج أصل المشكلة.
3. البيان يدحض تهمة “الانسحاب”
أكثر فقرة سياسية ذكاء هي: «إنه ليس انسحابا من الشأن العام»، وهي عبارة موجهة إلى أحد أهم الانتقادات للمقاطعة: أن من لا يشارك في الانتخابات ينسحب من المجال السياسي، لذلك يعيد البيان تعريف المقاطعة باعتبارها “فعلًا سياسيا احتجاجيا” ، وليس عزوفا أو لامبالاة.
والبديل الذي يقترحه هو: “نضال متواصل من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد” أي أن الجماعة توضح: ‘نحن لا نغادر السياسة؛ نحن نرفض شكلًا معينًا من ممارستها.’
4. من نقد الانتخابات إلى نقد طبيعة السلطة
العبارة: “المؤسسات المنتخبة لا تملك القرار السياسي الفعلي” هي جوهر البيان تقريبا، فهي تنقل النقاش من سؤال: هل الانتخابات نزيهة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: ما حجم السلطة التي يمتلكها الفائز أصلًا؟ وبالتالي، حتى لو افترضنا وجود انتخابات تنافسية ونزيهة من الناحية الإجرائية، يبقى السؤال الذي يطرحه البيان: هل تنتج هذه الانتخابات تداولا حقيقيًا على السلطة وصلاحيات فعلية للمؤسسات المنتخبة؟
هذه نقطة مركزية في خطاب الجماعة.
5. وضعية الجماعة
البيان لا يقدم العدل والإحسان كطرف انتخابي خسر أو عجز عن المنافسة، بل باعتبارها فاعلا سياسيا يرفض قواعد اللعبة الحالية، وهذا فرق مهم، فلو قالت الجماعة مثلا: لن نشارك لأن الظروف غير مواتية لنا، لكان القرار أقرب إلى حساب انتخابي، لكن صياغة البيان تقول إن المشكلة بنيوية، ولذلك فهي تحاول إعطاء المقاطعة بعدًا مبدئيًا واستراتيجيًا.
6. معنى صدور البيان الآن؟
توقيت البيان مهم جدا، لأنه صدر قبل الانتخابات بقليل، في عز الحملات الانتخابية والتعبئة الرسمية، وبالتالي لا يبدو كأنه موقف نظري بعيد عن الاستحقاق، بل قرار تعبوي مباشر مرتبط بانتخابات 23 شتنبر 2026، وجواب للمراهنين على رفع نسبة المشاركة، كما أن عبارة «عدم مشاركة أعضائها فيها» مهمة؛ فهي تعطي القرار طابعا تنظيميا ملزما، وليس مجرد توصية أو موقف شخصي لقيادات الجماعة.
خلاصة القول: إن العدل والإحسان لا تقاطع الانتخابات لأنها لا تثق في نتيجتها فقط؛ بل لأنها تعتبر أن المشكلة تكمن في بنية النظام السياسي التي تجعل الانتخابات، في صيغتها الحالية، غير قادرة على إنتاج تداول فعلي وحقيقي على السلطة، ولذلك فالمقاطعة هنا اصطفاف مع جماهير الشعب، وموقف حاسم من اللعبة والقواعد الموضوعة والمحددة سلفا، أكثر مما هي موقف من مناسبة انتخابية بعينها.