لم تكن الندوة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمناسبة الذكرى 13 لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ندوة للمطارحة الفكرية والنظرية وحسب، بل كانت مهرجانا خطابيا وسياسيا، للمعارضين السياسيين للاستبداد المخزني والاختراق الصهيوني في المغرب، وقد كان هذا واضحا من خلال طبيعة الحضور المدعو بدءا من الفنان بزيز وصولا إلى ابن المحامي محمد زيان، وأيضا من خلال سقف الكلمات خاصة كلمة ذ عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية وأيضا من خلال قوة المداخلات التي كانت في ندوة “طوفان الأقصى والخطر الصهيوني” والتي كانت مداخلات وازنة، بالنظر للشخصيات المشاركة كأسامة حمدان ومنير شفيق وخديجة الصبار ورشيد بويبري، وأيضا بالنظر لكون الأرضيات المطروحة والنقاشات كانت أقرب إلى برامج ومقترحات عمل، تنطلق من المراهنة على جماعة العدل والإحسان سياسيا وأخلاقيا وميدانيا لقيادة فعل مجتمعي وسياسي لإسقاط التطبيع في المغرب ومقاومة التمدد الصهيوني، وهو أمر أطرته كلمة الدكتور متوكل والتي أتوقف معها في هذه القراءة، وهي بالمناسبة ليست خطاب مناسبة، بل «وثيقة موقف» تعكس انتقالًا من منطق الشكوى إلى منطق التشخيص الاستراتيجي، وتكمن أهميتها في:
1- الجمع بين البعد الأخلاقي والسياسي.
2- الربط بين المحلي والإقليمي والدولي.
3- تحويل ذكرى الإمام عبد السلام ياسين من حدث تذكاري إلى «فرصة نقدية» للحاضر.
وهي بذلك تُجسّد وفاءً عمليًا للمشروع، لا عبر استحضار الرجل رحمه الله تعالى فقط، بل عبر مساءلة الواقع بالأسئلة التي عاش من أجلها والقضايا التي جاهد من أجلها، حيث يقول في معرض حديثه الإمام رحمه الله: “إنما بذل الغالي والنفيس، وواصل الجهد بالليل والنهار، مهموما بأمور بلده، بل وبالأمة الإسلامية جمعاء، باحثا عن الأسباب وراء هذه الحال التعسة التي تعيشها، وهل من إمكانية للنهوض بعد هذا الانحطاط المهين الذي طال أمده، في ظل الاستكبار العالمي والجشع الدولي وأدواته وعملائه المستنسرين بأرضنا”.
أولًا: سياق الكلمة ووظيفتها الخطابية
تندرج الكلمة في إطار الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، لكنها لا تُؤدّي وظيفة تأبينية تقليدية، بل تتحول إلى «منصة تشخيص سياسي وأخلاقي شامل» للواقع المغربي والإقليمي والدولي. الخطاب هنا لا يستدعي الذاكرة من أجل الحنين والنوستالجيا، بل يوظفها كـأداة مساءلة للحاضر واستشراف للمستقبل، في انسجام مع منطق الوفاء النقدي للمشروع الياسيني حيث قال: “لم نشأ أن نحول هذه المناسبة إلى شكل احتفالي تقليدي، نتحدث فيه عن مناقب الرجل، ونستعرض ما ترك من تراث متعدد الاهتمامات والأبعاد، تربوي وفكري وعلمي وحركي، أو نجعلها لحظة انتشاء بما كان للرجل من مواقف قوية، صريحة وواضحة، عبر عنها بالقلم واللسان، منددا بجور الحكام وفساد النخب المتنفذة”.
وظيفيًا، يمكن تصنيف الكلمة ضمن «خطاب التعبئة الواعية»: لا هو خطاب تحريضي مباشر، ولا هو خطاب وصفي محايد، بل خطاب يسعى إلى «إعادة ترتيب الأولويات» في لحظة تاريخية يراها المتكلم مفصلية.
ثانيًا: البنية المفهومية المركزية
1-ثنائية العدل والإحسان: من الشعار إلى المنهج
تعيد الكلمة تثبيت ثنائية «العدل والإحسان» بوصفها الإطار المرجعي الأعلى، لكن اللافت هو نقلها من مستوى الشعار إلى مستوى النقد العملي للتجارب السياسية، فالفشل السياسي، بحسب الخطاب، لا يعود فقط إلى الاستبداد الخارجي، بل إلى “الفراغ القيمي الداخلي” الذي يجعل النخب قابلة للاحتواء السلطوي.
هنا يتم تجاوز القراءة الاختزالية التي تحصر الجماعة في المعارضة السياسية، عبر إبراز أن سؤال المعنى والأخلاق ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا بنيويًا لأي تغيير مستدام، وهو ما عبرت عنه الكلمة بوضوح: “ولأجل ذلك فالعدل والإحسان تشتغل على الواجهتين: تعمل من أجل العدل في الحكم والعدل في توزيع الأرزاق، وتهتم أيضا بالإنسان باعتباره العامل الحاسم في أي تغيير مرجو. وتأملوا إن شئتم كم من المشاريع انهارت لأنها لم تتهيأ لها الأيادي النظيفة والقلوب المتجردة لتنفيذها على الوجه المطلوب”.
2- الإنسان باعتباره رهان التغيير
تؤسس الكلمة لأطروحة محورية مفادها أن «أزمة التغيير في المغرب ليست فقط أزمة أنظمة، بل أزمة فاعلين». ولذلك يُعاد الاعتبار لمفهوم “الإنسان المؤهل للتغيير” بوصفه الشرط الغائب في كثير من المشاريع الإصلاحية التي انهارت أو أُفرغت من مضمونها.
الخطاب هنا يستبطن نقدًا غير مباشر لتجارب سياسية وإيديولوجية راهنت على السلطة أو المؤسسات دون بناء الإنسان القادر على مقاومة الإغراء والاحتواء، حين يوضح ذ متوكل: “كم من المبادرات فشلت لأنها لم تقم على قواعد صلبة من التجرد والإخلاص لله، والرغبة الصادقة في خدمة الصالح العام، وكم من القامات العلمية والسياسية والفكرية، كانت، ثم انتهى بها المطاف في أحضان السلطان، خادمة له طائعة، وبددت كل رصيدها العلمي أو النضالي أو المروئي لقاء مكاسب صغيرة”.
ثالثًا: فلسطين والخطر الصهيوني: من التضامن إلى التشخيص البنيوي
1. فلسطين مرآة كاشفة
لا تُقدَّم قضية فلسطين في الكلمة باعتبارها مجرد قضية تضامن أخلاقي، بل بوصفها “عدسة كاشفة” لانهيار المنظومة القيمية الدولية، ولسقوط السرديات الغربية حول حقوق الإنسان والقانون الدولي، ويُحسب للكلمة أنها تربط بين الوحشية الصهيونية والتواطؤ الدولي، رافعًا النقاش من مستوى الإدانة العاطفية إلى مستوى تفكيك البنية الحاضنة للعدوان.
2. التطبيع والاختراق: من السطح إلى العمق
القراءة الأهم في الكلمة تتمثل في توصيف الاختراق الصهيوني في المغرب بأنه «اختراق مجتمعي عميق»، لا مجرد قرار رسمي أو اتفاق سياسي، هذا التوصيف ينقل النقاش من مستوى السلطة إلى مستوى «البنية الثقافية والاقتصادية والإعلامية»، ويكشف عن تحوّل التطبيع إلى “سرطان” يهدد السيادة الرمزية قبل السيادة السياسية. وهنا يتأسس خطاب «التحذير الاستراتيجي»: الخطر لم يعد على الأبواب، بل في الداخل، محميًّا بشبكات مصالح محلية، ففي باقي البلاد العربية وجد التطبيع هيئات ومنظمات من المجتمع المدني أكثر يقظة، وأصلب عودا، واصطدم بوعي شعبي واسع يدرك خطر الصهاينة، “فبقي الاختراق أو التطبيع طافيا على المستوى الرسمي، ولم ينفذ إلى عمق تلك المجتمعات. أما في المغرب فإن الصهاينة وجدوا لهم أعوانا ومتصهينين مهدوا لهم السبيل، وأزاحوا كثيرا من الحصون والحواجز التي تمنع سرطان التطبيع من التغلغل في شتى المجالات، ولاسيما الاستراتيجية منها” كما يقول الدكتور متوكل.
رابعًا: نقد النخب والمعارضة الضمنية
تتضمن الكلمة نقدًا مزدوجًا، نقدًا للسلطة من حيث الاستبداد، التضييق، ومنع الفضاءات العمومية، ونقدًا للنخب والمعارضات من حيث التشرذم، والانغلاق الإيديولوجي، والارتهان للهامش المسموح به، وهذا النقد لا يُصاغ بلغة تخوين، بل بلغة “المساءلة الأخلاقية والسياسية”، مع تحميل الجميع مسؤولية تاريخية عن إضاعة فرص التكتل في مواجهة المخاطر الكبرى، حيث يوجه كلامه بصريح العبارة إلى كل الفاعلين السياسيين والنخب الفكرية والإعلامية والمجتمعية للتوقف عن تضييع الوقت وإهدار الفرص: “ضاع وقت كثير في الجدال العقيم. والسؤال المهم اليوم هو: هل من سبيل لاستدراك ما فات، أو على الأقل بعض ما فات، وتجاوز الحواجز النفسية الموروثة، والحسابات السياسية الصغيرة، والدخول في ائتلاف واسع من أجل بداية صحيحة لنظام سياسي عادل، ومغرب جديد آمن يتسع لجميع أبنائه وبناته، مغرب مستقل في قراره، سيد في أرضه، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، دون منة من صهيوني حاقد لا يرجى منه خير أبدا، ولا طامع جشع، له تاريخ طويل، وعريض أيضا، في استغلال الأمم، ونهب ثروات الشعوب؟ نرجو أن يكون ذلك قبل فوات الأوان”.
خامسًا: الأفق السياسي المقترح
بالطبع لا تقدم كلمة العدل والإحسان ممثلة في رئيس دائرتها السياسية برنامجًا سياسيًا تفصيليًا، لكنها تضع «ملامح أفق بديل» يمكن تلخيصه في:
1- ائتلاف وطني واسع عابر للإيديولوجيات.
2- أولوية السيادة والاستقلال في القرار.
3- نظام سياسي عادل قائم على المشاركة لا الإقصاء.
4- ربط الإصلاح السياسي بالإصلاح القيمي.
وهو ما يؤكد عليه ذ متوكل بالقول بشكل مركز ودقيق: “نحن إذن أمام وباء حقيقي ينبغي التصدي له، وترك كل المعارك الهامشية، والخلافات الثانوية جانبا. اللحظة التاريخية الراهنة تقتضي من عقلاء هذا البلد أن يعتبروا أن هذه قضية جامعة، وينبغي مواجهتها بنفس القوة، ونفس العزيمة، التي تواجه بها أعطاب البلد الأخرى وعلى رأسها الفساد والاستبداد”.