يواجه المغرب شتاء هذا العام موجة فيضانات شديدة تؤثر بشكل خاص على المناطق الشمالية والغربية ناتجة عن منخفض جوي عميق تسبب في هطول أمطار غزيرة وغير مسبوقة بلغت في بعض المناطق أكثر من 150 ملم.
وتُظهر فيضانات القصر الكبير والغرب 2026 أن هشاشة المنظومة المائية كانت نتيجة تراكمية لمشاكل إدارية وهيكلية، تفاقمت بفعل ظروف مناخية قصوى.
1- معطيات رقمية أساسية
أ- الطاقة التخزينية: تمتلك المنظومة المائية المغربية 154 سداً كبيراً بسعة تخزينية إجمالية تصل إلى حوالي 19 مليار متر مكعب (بيانات 2025). ووفقاً لأحدث البيانات الرسمية (التي تنشرها وزارة التجهيز والماء على منصة “الما ديالنا”)، بلغت نسبة ملء السدود على المستوى الوطني حوالي 67 % إلى غاية يوم الإثنين 9 فبراير 2026، وهو ما يناهز حوالي 11.2 مليار متر مكعب من المياه المُخزنة.
ب- تراكم الأوحال في السدود المغربية: يمثل تحديا كبيرا يهدد الأمن المائي، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها البلاد، إذ تصل نسبة الأوحال المترسبة نحو 12.72% من السعة التخزينية الإجمالية للسدود البالغة 17.6 مليار متر مكعب.
ت- الفقدان السنوي: يتراوح ما بين 50 إلى 75 مليون متر مكعب سنوياً، وهو ما يعادل سعة سد متوسط كامل كل عام لتصل الخسائر التراكمية إلى 750 مليون متر مكعب على مدى عقد واحد.
ث- صورة غير دقيقة: يتم احتساب نسب الملء المعلنة بناءً على السعة الأصلية للسدود، وليس السعة الفعلية بعد التوحل. وهذا يعني أن نسبة ملء 100% لا تعكس في الواقع وجود كمية مياه كاملة قابلة للتعبئة.
ج- تفاقم مخاطر الفيضانات: عند انخفاض السعة التخزينية الفعلية، تفقد السدود جزءاً كبيراً من قدرتها على استيعاب الأمطار الغزيرة، مما يضطر المسؤولين إلى عمليات التفريغ الاضطراري التي تزيد من منسوب المياه في الأودية وتغمر المدن القريبة مثل القصر الكبير.
2- الأسباب الرئيسية لفيضانات 2026
أ- تغير المناخ وتكرار “الظواهر المناخية المتطرفة”: ازدياد وتيرة وكثافة هطول الأمطار الغزيرة في فترات زمنية قصيرة، مما يؤدي إلى فيضانات مفاجئة ومدمرة (Flash Floods) بسبب التغيرات المناخية وارتفاع معدلات تبخر المياه وزيادة الرطوبة.
ب- شدة هطول الأمطار: هطول كميات كبيرة جداً من الأمطار في ساعة واحدة (كما حدث في آسفي) يتجاوز قدرة المنشئات المائية.
ت- الانتقال من الجفاف الشديد إلى الأمطار الطوفانية وإشكالية إدارة السدود الممتلئة: تحول سريع من سنوات الجفاف الطويلة إلى هطول أمطار استثنائية يزيد من حدة الفيضانات وبلوغ السدود (مثل سد وادي المخازن) مستويات ملء قياسية (146% من طاقته) يضطر معه المشغّلون إلى التفريغ الاضطراري للمياه نحو المجاري المائية والأودية مما يفاقم الفيضانات في المناطق الواقعة أسفل السد.
ث- ضعف الحكامة الاستباقية وإدارة المخاطر: وتتجلى في غياب التنسيق والإنذار المبكر وعدم دقة التحذيرات الجوية وانعدام تطبيقات ومواقع تفاعلية تجمع معطيات الطقس وحالة الأنهار والأودية والسدود والملاحة البحرية والجوية وحالة الطرق وسكك القطارات…
ج- تحديات تقنية في السدود والبنى التحتية: تتجلى في ظاهرة “توحل السدود” (تراكم الطمي) تُفقد المغرب سنوياً 75 مليون متر مكعب من سعة التخزين. هذا يعني أن السعة الفعلية لسد وادي المخازن كانت أقل من التصميمية عند بداية الموسم، مما قلص من هامش استيعابه للفيضانات.
ح- ضعف كفاءة شبكات الصرف الصحي (خاصة في المدن القديمة): عجز البنية التحتية عن استيعاب وتصريف الكميات الهائلة للمياه في وقت قصير، مما يحول الشوارع إلى مجارٍ مائية سريعة، نموذج شبكات الصرف في مدينة القصر الكبير غير قادرة على استيعاب الكميات الهائلة من المياه التي تم تفريغها من السد، مما أدى إلى غمر الأحياء مباشرةً.
خ- التوسع العمراني في المجالات الفيضية: البناء داخل المناطق المعرضة للفيضان الطبيعية للأنهار (مثل سهلي اللوكوس وسبو) وفي مجاري الأودية، وهو ما يحظره القانون 36-15 لكنه يحدث على أرض الواقع ويسائل الجهات المعنية بذلك.
3- الحكامة التدبيرية.. بين نموذج تقليدي (الاستجابة للكارثة) ونموذج حديث (التدبير الاستباقي للمخاطر)
أ- في السؤال عن الإطار القانوني والمؤسساتي لتدبير المخاطر نجد عدة مؤسسات:
· الصندوق الوطني للتضامن (القانون 110.14): يمثل أهم أدوات التعويض بعد الكوارث، لكن التطبيق يراوح بين الإنقاذ السريع والبيروقراطية الطويلة.
· الاستراتيجية الوطنية للوقاية وتدبير الكوارث (2020-2030): تهدف لتبني مقاربة وقائية متكاملة بدعم من الأمم المتحدة والبنك الدولي، ولكن نتائجها العملية على أرض الواقع ما زالت محل تساؤل بعد فيضانات 2025-2026 (طاطا والجنوب الشرقي وآسفي).
· قانون التعمير وخرائط المناطق المعرضة للفيضانات (القانون 36-15): يلزم الأخذ بعين الاعتبار خرائط المناطق المعرضة للفيضانات في التخطيط العمراني ومنح رخص البناء. لكن التجاوزات و”السماح ببرامج تعمير مخالفة في مجاري الأودية” تنمو وتزدهر باستمرار.
ب- وفي سؤال إشكاليات الحكامة نجد:
· انفصال وبون شاسع بين “سياسة السدود” الهادفة لتخزين الماء لمواجهة الجفاف و”سياسة إدارة مخاطر الفيضانات” الهادفة لتفريغ المياه وقت الخطر، أدى لتجاوز حقينة سد وادي المخازن إلى 146% من طاقته وإجراء تفريغ اضطراري عمّق أزمة القصر الكبير، مما يحيل على تضارب في الأولويات والاختصاصات بين المؤسسات.
· فجوة بين التخطيط والتنفيذ على المستوى المحلي مما يؤدي لضعف القدرات التقنية والمالية للجماعات الترابية، وعدم امتلاكها لخرائط دقيقة للمخاطر، والضغط السكاني للبناء في مناطق محظورة، في مجاري الأودية كما في القصر الكبير وآسفي.
· سياسة “التدبير بالأزمة” بدل “التدبير بالمخاطر” حيث تسعى سلطة الاختصاص للتركيز على الاستجابة والإنقاذ والتعويض بعد وقوع الكارثة، مقابل ضعف الاستثمار في الوقاية والتخطيط الاستباقي.
· إشكالية “المنطقة المنكوبة”، بعد كل كارثة، تبرز مطالب بإعلان المنطقة “منكوبة” رسمياً لتفعيل صندوق التضامن ضد الكوارث الطبيعية (المحدث بالقانون 110.14). لكن السلطات غالباً ما تتجنب هذا السيناريو وتفضل برامج إعادة تأهيل خاصة. هذا الرفض المتكرر لإعمال آلية التعويض الرسمية يترك المتضررين في حالة من عدم اليقين ويساهم في الشعور بالتهميش المجالي.
ت- وفيما يخص نماذج التدبير الاستباقي الناجع والمعقلن لمخاطر الفيضانات نجد:
· النموذج السويسري (المنع من المنبع وإعطاء الماء مساحة) يعتبر الوقاية عبر التخطيط المكاني حجر الأساس، مدعوماً بنُظم تنبؤ متطورة، وأدوات حديثة لإدارة المخاطر.
· النموذج الهولندي لتدبير مخاطر الفيضانات رائد في هذا المجال بالنسبة لبلد يقع ثلثاه تحت مستوى البحر ومعرض للاختفاء، تأسس على تحول جذري في فلسفة تعامله مع الفيضانات من السيطرة إلى التعايش من خلال برنامج “مساحة للنهر” (Room for the River)، وهو التحول الأساسي من مجرد رفع وتقوية السدود إلى إعطاء المياه مساحتها عبر توسيع المجاري، وإزالة العوائق، وإنشاء قنوات جانبية، ونقل السدود للخلف لخلق سهول فيضية آمنة وتحويل المناطق الخطيرة إلى متنزهات ومساحات طبيعية.
· النموذج الفلبيني لتدبير مخاطر الفيضانات يركز على الاستجابة المجتمعية القائمة على العلم، حيث تسخر التكنولوجيا الحديثة وتعزز اللامركزية للحد من الآثار الكارثية لهذه الظاهرة المتكررة. ونظراً لتعرضها ل 20 إعصاراً سنوياً، فقد طورت الفلبين نظاماً يعتمد على التنبؤ الدقيق، والإنذار المبكر، والاستعداد المجتمعي.
ث- أما بخصوص سيناريو بديل لتجنب الكارثة بالانتقال من نموذج “التدبير بالأزمة” إلى نموذج “إدارة المخاطر الاستباقية” نجد المتطلبات التالية:
· الاستثمار في العلم والتكنولوجيا: للتنبؤ الدقيق والإنذار المبكر المستهدف.
· التخطيط العمراني الذكي والآمن: لمنع البناء في مناطق الخطر وخلق مساحات آمنة للفيضان.
· الحكامة المتكاملة: لتنسيق السياسات واتخاذ القرارات الاستباقية.
4 ويبقى الدرس الأهم من فيضانات 2026 ونتائجها الكارثية
نموذج “التدبير بالأزمة” و”رد الفعل” انتهت صلاحيته والهشاشة المائية ليست مشكلة طبيعية بحتة، بل هي بالأساس أزمة في الحكامة والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في الوقاية أرخص بكثير من تكلفة إعادة الإعمار والخسائر المادية. والسؤال الآن هو: هل ستكون هذه الكارثة نقطة تحول حقيقية نحو بناء منظومة مائية مرنة وقادرة على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة؟