قَصْرٌ فَوَكْرٌ فَقَبْرٌ

اللهم لا شماتة. وإنما هي عبرٌ وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
من مثل ذلك المصير الشائن كان متخوفا لكنه لقي حتفه دون أن يخالفه. مكر مكرا، وعند الله مكره، وإن كان مكره لتزول منه الجبال.
أُخرج من ماسورة الصرف الصحي كما أخرج صدام من حفرة، وتلك نهاية الخزي التي أعدها الله لكل طاغية جبار لا يتقي الله في خلقه ولا يخشى يوم الحساب. نعوذ بالله من الموت المخزي والمرد الفاضح وسوء الختام.
كذلك أمر الله إذا أراد أن يهلك قرية أو جبار القرية، يأمره، يوجهه، ينذره، يريه عواقب الطغيان والجبروت، يمهله لكنه لا يهمله "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". هكذا كانت عاقبة "ملك ملوك إفريقيا" و"عميد حكام العرب"، من أملت عليه شهوة التملك والقيادة اللامتناهية إلى جمع شتات دول جنوب الصحراء والساحل تحت إمرته الخائبة لعله يحقق بها حلمه العاثر في أن يكون إمبراطورا.
هكذا تربع لعقود على خزائن أرض ليبيا الطاهرة كما جثم على صدور أهلها الطيبين، قتل وذبح وسجن وعذب وأسر وأفقر وأغنى، أغنى زبانيته والقائمين بأمره ممن تفرقوا عنه في لحظة يقظة ضمير، أو هلكوا معه حينما هلك بعد أن أقنعهم بربوبيته المطلقة لرقابهم الخانعة الخاضعة الذليلة الراضخة لغير الله العظيم، وأفقر شعبا كاملا ممن فتح لهم الله في أرضهم بركات من السماء والأرض فكان من المفروض أن يكونوا شامات هذا العالم علما وتقدما وثقافة وتنمية... فإذا هم يشكون من ضعف التعليم وقلة الموارد ومن مشاكل اجتماعية بائسة.
حكمهم لعقود بغير ما أنزل الله وجعلهم يخضعون طوعا وكرها لكتابه الأخضر أيقونة جماهريته الموهومة، وسلط عليهم، لما ثاروا ثورتهم المباركة، زبانيته وقناصيه.
ودخل جنته وهو ظالم لنفسه وكأن لسان حاله يقول بلسان الرجل الخاسر من بني إسرائيل: "ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهما منقلبا"،وأحاط الله بملكه ورفع عن قومه مقته، وكذا سيفعل بإذنه بكل طاغية ممن ينتظرون الدور. لكن ماذا بعده؟
إنه جهاد مرير، ذلك الجهاد لرفع الظلم وتحرير العباد والبلاد من براثنه، وإن عظم فإن جهاد البناء أعظم منه لأنه إرساء للقواعد من جديد مع ما يحتاجه ذلك من جهاد للتعبئة. لن تتغير الأحوال إلا إذا صدقت النيات وتلاشت الخلافات واتقدت الهمم وغلبت التربية حتى تنتصر الذوات للحق لا للأشخاص، فتنبعث السواعد جمعا لإحداث تغييرات جذرية لكل المجالات التربوية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
في انتظار ذلك، دامت ثورتكم غراء شماء، وكللها الله بنصره العظيم وعزه المكين إنه القادر على ذلك والمعين عليه، وفتح الله لمن بقي لأن زوال ملك القذافي ثلمة أكيدة في صرح بناء الجبر والطغيان ومنه يلزم المستكبرين أن يستخلصوا الدروس والعظات.




