«كَتَبَ الجَرَّاحُ بنُ عبدِ اللهِ -والِي خُراسانَ- إلى عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ يَستأذِنُه في التَّنكيلِ بأهلِ خُراسانَ، ويَقولُ: إنَّ أهلَ خُراسانَ لا يُصلِحُهم إلا السَّيفُ والسَّوطُ. فكتَبَ إليه عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أَمَّا بَعدُ، فَقَد بَلَغَني كِتابُكَ، وفَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ، كَذَبْتَ! بَل يُصلِحُهمُ العَدْلُ والحَقُّ، فَاقْسِطْ فيهِم، وَاعْلَمْ أنَّ اللهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدينَ». في وعيه الضيق، لم يكن الجرّاحُ بنُ عبد الله يرى في الدولة سوى سوط يلوح فوق الرؤوس، وسيف يقطع حبال الأمل. هذه العقلية المتجذرة في عقول المستبدين عبر التاريخ ليست أثرا منسيا؛ بل هي عقيدة حية تسكن دهاليز التدبير الأمني، نلمسها في النظرة التي تصنف كل صوت حر، وكل حراك شعبي يرفض الحيف، كأنه تهديد وجودي يستوجب الإسراع بإشهار “وصفة التنكيل”.
لقد خرج كمال ابن آسفي، يحمل في صدره حلم المغاربة؛ حلم بسيط بأن يتسع الوطن للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. خرج يظن أن صوته أمانة يؤديها دفاعا عن الحق، ولم يدرك أن هناك في العتمة من يتربص به؛ من لا يرى فيه مواطنا، بل “خراسانيا” جديدا يجب تركيعُه بالسوط والحديد، حتى وإن كلف الأمر إطفاء شعلة حياته في واضحة النهار.
بينما كان كمال يعبر عن نبض الشارع، كان حراس عقيدة “الجراح بن عبد الله” يترجمون المطالب الشعبية إلى “تمرد” يستلزم ذات الوصفة القديمة.
خمسة عشر عاما مرت، والرهان هو الرهان: سياسة التجاهل، وكسر العظام، والوهم بأن الزمن كفيل بدفن الحقيقة، يظنون أن هيبة الدولة تكمن في خنق الحناجر وتكميم الأفواه، متناسين أن كل شهيد، بل كل ندبة، هي راية نصر ترفعها الشعوب، وشهادة إدانة وعار أبدي يلاحق الجلاد.
إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يكتب رسالة عادية لواليه؛ بل كان يضع البوصلة الحقيقية للحكم، ويقدم الدواء الشافي لكل من توهم أن السيف والسوط يبنيان وطنا، أو أن التنكيل يقيم أركان دولة، اليوم وبلسان عمر بن عبد العزيز، وبلسان دم الشهيد كمال، نصرخ في وجه حاملي عقيدة الجراح بن عبد الله: كذبتم! فالناس لا يصلحهم السيف، ولا تكسر شوكتهم الهراوات، وإنما يصلحهم ـ ويجمع قلوبهم ـ شيء واحد: الحق والعدل.