كن رحيما

Cover Image for كن رحيما
نشر بتاريخ

الرحمة سجية رفيعة وثمرة من ثمرات الإيمان القوي، لو تراحم الناس ما بقي بينهم مغبون عطشان أو جائع أو عارٍ، ولجفت الجفون من المدامع، ولاطمأن كل جنب في مضجعه، ولانمحى الشقاء من المجتمع كما يمحو  نور الشمس ظلمة الليل البهيم. فبين الرحمن والرحمة والرحم علاقة قرابة و اشتقاق: فالرحمن أحد أسماء الله الحسنى، وهو الرحمن الرحيم يعم بعطائه الكون كله من إنس وجن وحيوان ونبات وجماد، قد كتب الرحمة على نفسه حيث قال عز وجل في سورة الأعراف: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156).

والرحمة شعور بالشفقة والعطف والحنان على الآخر يدفع إلى التقرب وبذل الجهد لإراحته وإسعاده وإدخال السرور عليه وإبعاد المشقة والعناء عنه، وهي صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرَاحَمُوا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا رَحِيمٌ. قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ الْعَامَّةِ» رواه الطبراني.

وما قصة حنين الجذع إلا مثال جلي لعظيم رحمته عليه السلام التي وسعت الكائنات بأسرها، وهي غيض من فيض أخلاقه عليه السلام، حيث شهد الصحابة الحاضرون وذهلوا لسماع  صياح الجذع باكيا صياح صغير ناقة فقد أمه، وما هو إلا ترجمة حب عظيم وتعبير عما كان بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذاك الجذع خاصة وسائر المخلوقات عموما من صلات باطنية لا يعلمها إلا الله. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأةٌ من الأنصار أو رجلٌ: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: ”إن شئتم”، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة رُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبيّ ثم نزل النبيّ صلى الله عليه وسلم فضمّها إليه تئنُّ أنين الصبي الذي يسكنُ، رواه البخاري.

إنها رحمته تعالى التي أودعها قلب نبيه عليه السلام فأبكت جمادا على فراق محبوبه صلى الله عليه وسلم، إنها رحمته صلى الله عليه وسلم التي شملت كل العالم فكانت رسالة الإسلام التي انتشرت بالحب والسلم والأمان.

أما الرحم فهي القرابة والصلة بين من تصلنا بهم علاقة نسب، روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قالَ اللَّهُ: أَنا الرَّحمنُ وَهيَ الرَّحمُ، شَقَقتُ لَها اسمًا منَ اسمي، من وصلَها وصلتُهُ، ومن قطعَها بتتُّهُ) رواه أبو داود والترمذي باختلاف يسير.

فصِلةُ الرَّحِمِ أجرُها عظيم وشأنُها كبير عِندَه تعالى، جاء في الموسوعة الحديثية أن رسول الله صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بين لنا ذلك، فقال: “قال اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا الرَّحمنُ”، أي: مُتَّصِفٌ بكَثرةِ الرَّحمةِ وسعَتِها، “وهي الرَّحِمُ”، أي: الَّتي آمرُكُم بِوَصلِها، والرَّحِمُ هي الصِّلةُ الَّتي تَكونُ بينَ الشَّخصِ وغيرِه، والمرادُ هنا الأقرَبون، “شَقَقتُ لها اسمًا مِن اسْمِي”، أي: أخَذتُ لها مِن اسمي الرَّحمنِ اسمًا، “مَن وصَلَها وصَلتُه”، أي: مَن أحسَن إلى أهلِه، ورَفَق بهم، وداوَمَ على الاتِّصالِ بهم، أحسَنتُ إليه ورَفَقتُ به وأنعَمْتُ عليه، “ومَن قطَعَها”، أي: هجَر أهلَه ولم يُحسِنْ إليهم ويتَّصِلْ بهم، “بَتتُّه”، أي: قطَعتُه مِن رَحمتي وإحساني).

الرحمة نقيضة الفظاظة والخشونة والغلظة والقسوة، وهي أساس التربية السليمة، حيث تعتبر «فسيلة» تغرس في قلب المؤمن فتزهر عطاء وبذلا وإحساناً وبراً بالأقربين، وتبعث  الحب في مجتمع شانته الكراهية.

ترتبط الرحمة عادة بالرفق في التربية والسكينة واللين في المعاملة، وهي وسيلة لغرس المحبة والإيمان والتقوى، وتزكية النفوس، والتقريب بين القلوب بالحفاظ على الفطرة من خلال التراحم والتضامن والأخوة  ونشر السلام والأمان وقيم الحضارة الراقية بين الشعوب بدل الحروب والشقاء.

فالرحمة هبة إن جاورت قلب المؤمن انحنى ولان وأورد العقل رجاحة وحكمة وحسن اختيار  فكان نورا منيرا صالحا مصلحا موفقا في نشر الدعوة وتدبير أمور الخلق وشؤون الناس، يقول المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: (لا يكون المسلم ربانيا حتى يكون رحيما). ومعنى ذلك أن الله إذا نزع الرحمة من قلوب الدعاة فقدوا مفاتيح القلوب، فالناس لا يستمعون إلا لمن أحبهم ولاينهم.

جاء في كتاب جمهرة خطب العرب في العصور العربية الزاهرة للكاتب أحمد زكي صفوت: (كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- ومن معه من الأجناد: (وترفّق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشّمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوّهم والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكُرَاع) حرصا منه رضي الله عنه على ضرورة أن يكون القائد رحيما رفيقاً بمن معه/

والرحمة رباط الأسرة المسلمة  يشملها موَدَّة وعطفا، ينزع عنها لباس المنازعة بين الزوجين لأن البيت «سفينة» تحتاج إلى ربان يجمع بين الرحمة والحكمة لضمان استمرارية استقرارهاK قال ربنا عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21]، فبالرحمة والمودة تهنأ الحياة الزوجية وتستمر، وبدونها تشقى الحياة وتضطرب.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “غرسة المرحمة في قلب المؤمنة يُعرف تغصينها وإزْهارها وإثمارها مما تشيعه حولها، الأقربَ فالأقرب، من أنواع البِر والإحسان والألطاف والأَرفَاقِ. ما بينها وبين ربها عز وجل لا سبيل إلى الاطلاع عليه، ونعرف المرحمة بآثارها. تصلح في الأرض حين يفسد فيها المفسدون. تبذر بذور الحب والرحمة في مجتمع الكراهية” 1.

تتسم الرحمة بصفة الشمولية حيث لا تقتصر على جماعة المؤمنين فحسب بل تشمل الخلق كافة، بإظهار نور الهداية المحمدية في تفاعلات الإنسان السلوكية الروتينية مع المحيطين به، القائمة على حسن الخلق والاحترام وخفض الجناح لإرساء أسس بناء المجتمع وتمتين العلاقات الإيجابية بين الأفراد، وتشمل قيمًا راقية كـطلاقة الوجه وحسن الجوار والوفاء بالعهد وتمثل الصدق بكل معانيه استجابة وخضوعا لتوجيهات الدين الحنيف والسنة النبوية الشريفة التي تجعل حسن المعاملة جزءاً من الإيمان، بل هي الدين كله، بامتلاك قلوب الناس قبل عقولهم وغرس الحب في مجتمعات قد تسودها الكراهية  والبغضاء، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159].

فالرحمة فيض عاطفة جياشة ومعين حب صادق صاف؛ ينبض به الفؤاد فيدفعه  لخدمة الخلق والعطف عليهم، بل والتودد إليهم قربة لله وطلبا لوجهه الكريم، وهذا ما أسماه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بالرحمة القلبية: وهي علاقة القلب بالله، حيث لا يكتمل الإيمان إلا حين يفيض الفؤاد رقة ورحمة وعطفا ورفقا يترجم سلوكا يسعى به في الناس دعوة لهم ورحمة بهم.

قال الأستاذ  عبد السلام ياسين: “الأصل ألا يبتئس الرسول والمؤمن الوارث المبلغ رحمة وشفقة وخوفا على الخلق، يملي ذلك عليه إيمانه من أعلى واجب حقوق الإنسان، من جانب الدين والمروءة معا” 2.

فالرحمة مفتاح كل خير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ).

والرحمة قطب رحاها القلب؛ فهي عكوف على باب الله واستمساك بأعتابه والاستقامة على هديه حتى يتنور القلب فيصبح مصدر إشعاع، مع التماس الخير في المؤمنين بتعظيمهم وتوقيرهم واستمداد نور البصيرة من مجالستهم.  وبذلك تكتمل الصحبة ويتراص الصف يشد بعضه بعضا مع حسن الظن بخلق الله أجمعين. قال الله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الحجرات: 29].

وقد لا يجتمع في قلب المؤمن حب الله والغلظة والقسوة والشدة على خلق الله، بل تغلب الرحمة وتطفو وتدفع إلى العفو عمن ظلم والعطاء لمن حرم ووصل من قطع وخاصم.

وأول من أحق برحمة المؤمن نفسه التي بين جنبيه؛ فيرحمها بتطهيرها وتزكيتها ووصلها بمعرفة خالقها وبوقايتها من عذاب النار وسخط الله وعقابه، قال ربنا عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]. ثم رحمة الناس أجمعين الأقرب فالأقرب، ومنه رحمة الوالدين بالبر والخدمة وخفض الجناح لهما، ذلك شرع الله ووصيته أثناء حياتهما، قال سبحانه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: 23، 24] وبعد موتهما يكونان أحوج إلى الدعاء ترحما عليهما، قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24].

ولعل أبعد مضمار تشمله الرحمة مضمار الرحمة بالعصاة والغافلين والمذنبين؛ فهم الفقراء إلى رحمة الهداية والتنبيه والإنذار والدعوة لطاعة الله بالرفق واللين والتبشير والتيسير والتدرج والتحبيب رحمة بهم حتى تلين قلوبهم فندلهم على رأفة الله ولطفه، ونحببهم في الله وطاعته ومرضاته ومعرفته والقرب منه سبحانه، وهذا من توفيق الله وأجل أبواب الدعوة إليه؛ الحرص على هداية الناس المذنبين رحمة بهم خوفا عليهم من عذاب الله، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: (أنا رحمة مهداة) أخرجه الحاكم والألباني.

والرحمة قوة لا استكانة، هي شفقة القوي القادر لا ذل الضعيف  العاجز ، فالرحمة أساس كل خلق عظيم عليها تبنى الصحبة وبها تفتح القلوب للدعوة وبها يتوازن ميزان العدل والقوة.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ط 2018/4، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 2، ص 56.
[2] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ط 2018/3، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص 359.