كيف تطلب الحرية؟

Cover Image for كيف تطلب الحرية؟
نشر بتاريخ

الحرية أغلى المطالب، فبها يكتسب المرء هويته، ذلك أن الناس يولدون أحرارا، وبها يمارسون حقوقهم ليكونوا من يريدون، لا ما يريده غيرهم، وهذا هو الفرق الجوهري بين الحرية والعبودية: أن تكون سيد نفسك ومالك وقرارك دون عدوان أو اعتداء على حرية الآخرين تحت أي مسمى.                                 

وللناس في طلب الحرية والانعتاق من ربق العبودية مسالك، حضرني منها نموذجان: نموذج بلال بن رباح ووحشي في صدر الإسلام، وكلاهما عانى من العبودية بسبب لون بشرته، وكلاهما حبشي. فإذا كان بلال تحرر قلبه بعد إسلامه، وتحررت بذلك إرادته فتمرد على العبودية على مستوى الوجدان والشعور، وإن لم يتمرد على العبودية الجسدية فظل يخدم “سيده” ولا يعصي له أمرا فيما يطلب منه من أعمال، لكنه لا يوافقه في قناعاته واختياراته القلبية: إيمانه بالله ربّا وبالإسلام دينا وكفره بالأصنام والأوثان، وقبِل بلال تبعات اختياراته وقناعاته القلبية التي أحالته حرا معنويا فناله من التنكيل الجسدي ما ناله، دون أن تلين له قناة أو تضعف له شكيمة على الرغم مما لقي من تعذيب وتنكيل، وظل صامدا ثابتا على موقفه حتى نال حريته كاملة غير منقوصة، وإلا فقد كان مستعدا ليهلك ولا يتراجع عن اختياراته.

أما وحشي الذي لا يقل عن بلال رفضا للعبودية والرق، فاختار سبيلا قدّر أنه أسهل وأيسر من الدرب الذي اختاره بلال معتقدا أنه سينال حريته بخدمة سيده الذي سيكافئه يوما على تفانيه في تلبية طلبات سيده، لكن المفارقة التي صدمت وحشيا تمثلت في أن بلالا سبقه في الظفر بحريته التي نالها بفضل منسوب صبره وتحمله للأذى، في وقت توهم وحشي أنه سينال حريته بفضل سجله الخدماتي لسيده؛ سجل سيؤهله للظفر بحريته بعدما أنفق العمر، وبعد أن لبّى في سبيلها كل طلبات سيده، “توّجها”  بتورطه في واقعة بشعة ممثلة في قتل عم رسول الله حمزة بن عبد المطلب؛ واقعة أكسبت وحشيا حرية اكتشف زيفها في اليوم الموالي لفعلته، فمجتمع الأسياد لم يعترف بوحشي في ناديهم، ولم يقبلوه إنسانا حرا سيدا وإن لم يبق عبدا بصيغة ما قبل تورطه في جريمة القتل والاغتيال؛ جريمة لم يتخلص وحشي من تبعاتها وإن أسلم؛ تبعات رافقته في بقية حياته ولم يشفع له فيها إلا قتل مسيلمة الكذاب في حروب الردة خلال خلافة أبي بكر الصديق.

والحال أن بلالا نال حريته كاملة واندمج في المجتمع الإسلامي خلال السنوات الأولى قبل مرحلة الجهر بالدعوة، بل وأضحى بلال أيقونة بين المسلمين بفضل ثباته وتمسكه باختياراته وقناعته التي كلفته تعذيبا وتنكيلا صار في تحمله والصبر عليه نموذجا لقوة الإيمان.                                               

وما يجري على الأفراد يجري على الشعوب والمجتمعات، فطريق الحرية والانعتاق واحد، اختيار ومواقف وثبات وصبر وتضحيات، ومن أراد الحرية والاستقلال في غير إغضاب لمغتصبه زاعما أن حسن سيرته في الخنوع للأسياد ستكسبه حريته فهو واهم.                         

هما سبيلان مختلفان تمام الاختلاف، وإن اتفقا في النتيجة؛ سبيل يقوم على النضال من أجل الحرية من خلال رفض منظومة قائمة على الاستعباد، وسبيل “لايت” يقوم على التعايش مع المنظومة مؤْثرا السلامة ومراهنا على اعتراف الأسياد بالإخلاص في خدمتهم؛ سبيلان يُحيلان على مقاربتين للإصلاح: مقاربة تنشد الإصلاح من خارج النسق السياسي القائم مع الوعي العام بمتطلباته وكلفته، ومقارنة تتوسل للإصلاح من داخل بنية النظام ومؤسساته فتتحول لأدوات تنافح على النظام وتشرعن الاستبداد وتستديمه.