لا يعرف قدرَ المولد إلا من عرف قدرَ المولود. فالمولد ليس تاريخًا نعدّ أيامه، ولا مناسبةً نعبر بها ثم نمضي، وإنما هو وقفة مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ وقفة يتعلم فيها القلب من سيرته، ويتجدد فيها الشوق إلى صحبته، وتستيقظ فيها معاني المحبة والاقتداء.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، فقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].
ما أعظمها من منزلة! لم يقل ربنا إنك رحمة لقوم دون قوم، ولا لجيل دون جيل، بل قال: للعالمين. فكان صلى الله عليه وسلم رحمةً في كلامه، ورحمةً في معاملته، ورحمةً في بيته، ورحمةً بأمته، ورحمةً بالضعفاء والمساكين.
اللهم صل وسلم على من شهد له ربه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].
كان الصادق إذا تكلم، والأمين إذا اؤتمن، والحليم إذا أغضب، والعفوّ إذا قدر، والمتواضع وهو سيد ولد آدم. لم تكن أخلاقه مواعظ تُلقى على الناس، بل كانت حياةً تمشي أمامهم. ولما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُقه صلى الله عليه وسلم قالت “كان خُلُقُه القرآن”، وفي رواية مسلم: «كان خُلُقُه القرآن»؛ فكان من ينظر إلى هديه يرى أثر القرآن في رحمته وصبره وحلمه وعدله وتواضعه. (رواه مسلم).
اللهم صل وسلم على من كان قلبه رحيمًا بأمته، قال الله تعالى في وصفه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 128].
كان يشق عليه أن يرى أمته في عنت ومشقة، وكان حريصًا على هدايتها ونجاتها، يعلّمها ما يقربها إلى الله، ويحذرها مما يبعدها عنه، ويترك لها من الوصايا ما فيه صلاح دينها ودنياها.
اللهم صل وسلم على من كان مع أصحابه رحيمًا، يحبهم ويكرمهم ويعرف لكل واحد منهم فضله وسبقه. أحبوه لأنهم رأوا منه ما لا تراه الكلمات: رأوا صدقه حين كذبه الناس، وأمانته حين خانه غيره، وثباته حين اضطربت القلوب، ورحمته حين قست القلوب. بذلوا معه المال والنفس والوطن، وكانوا له أصحابًا وأنصارًا، فكان من وفائه لهم أن حفظ لهم مكانتهم، وأوصى الأمة بهم خيرًا.
اللهم صل وسلم على من قال في أصحابه: “لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه” (متفق عليه : رواه البخاري ومسلم).
إنها منزلة عظيمة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أولئك الذين حملوا معه أمانة الدعوة، ونصروه، وآووه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله. وقد أثنى الله عليهم فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100].
فمن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أن نعرف لأصحابه قدرهم، ونحفظ ألسنتنا عن الوقيعة فيهم، ونوقر من اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه.
اللهم صل وسلم على من اشتاق إلى إخوانه قبل أن يراهم، فقال: “وددت أني قد رأيت إخواني”، قال أصحابه: أوليس نحن إخوانك؟ قال: “أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني” (رواه مسلم).
يا لها من منزلة تذيب القلب! أن يشتاق إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت لم تره، وأن تكون من قوم لم يجلسوا بين يديه ولم يسمعوا صوته، ولكنهم آمنوا به وصدقوه وأحبوه واتبعوه.
اللهم صل وسلم على من جعل المحبة اتباعًا، فلم يجعل حب النبي صلى الله عليه وسلم مجرد دعوى، وإنما ربط المحبة بالطاعة والاقتداء، قال الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31].
فليست المحبة أن تفيض الألسن بالصلاة عليه ثم تقسو القلوب على الناس، وليست أن نمدحه ثم نخالف سنته؛ وإنما المحبة أن يظهر أثر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقنا ومعاملاتنا وبيوتنا، وأن يكون هديه حاضرًا في حياتنا.
اللهم صل وسلم على من كانت وصاياه لأمته رحمةً وهداية. أوصى بالصلاة، وأوصى بالنساء خيرًا، وأوصى بحفظ الدماء والأموال والأعراض، وحذر من الظلم، وأمر بالرحمة والإحسان. فقال صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيرًا” (متفق عليه). وقال صلى الله عليه وسلم: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام” (متفق عليه).
وكان يريد لأمته أن تكون أمةً تحمل الخير إلى الناس، لا أمةً تزيد في جراحهم؛ أمة يصلح فيها القلب ويستقيم فيها السلوك.
اللهم صل وسلم على من ادخر دعوته لأمته، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي في الآخرة” (رواه البخاري ومسلم).
تأملوا هذا الحب: دعوة مستجابة، ادخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، رجاء أن تنالها يوم تشتد الحاجة إلى الشفاعة بإذن الله.
اللهم صل وسلم على شفيع الأمة يوم يقوم الناس لرب العالمين، حين يشتد الكرب ويطلب الناس الشفاعة، فيأتون إلى الأنبياء واحدًا بعد آخر، حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: “أنا لها، ثم يسجد تحت العرش، ويحمد الله بمحامد يفتحها الله عليه، ثم يؤذن له في الشفاعة” (متفق عليه).
إنها شفاعة عظيمة نرجوها، ولكنها لا تكون إلا بإذن الله ورضاه، قال سبحانه: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255].
اللهم صل وسلم على من نرجو أن نكون من أهل شفاعته، ولا تجعل رجاءنا اتكالًا بلا عمل. يا من يرجو شفاعة المصطفى، اتبع المصطفى صلى الله عليه وسلم. يا من يحب رسول الله، فليتعلم رحمته. يا من يشتاق إلى حوضه، فليحفظ سنته. يا من يرجو صحبته في الجنة، فليجعل سيرته طريقًا له في الدنيا.
اللهم صل وسلم على من كان في بيته رحمة، ومع أصحابه رحمة، ومع الضعفاء رحمة، ومع أمته رحمة. فقد قالت عائشة رضي الله عنها في وصفه صلى الله عليه وسلم: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله” (رواه مسلم). وكان صلى الله عليه وسلم يقول: “من لا يَرحم لا يُرحم” (متفق عليه).
علمنا أن القوة ليست في البطش، وأن الرجولة ليست في القسوة، وأن الإيمان ليس كلمات تُردد، وإنما قلب يعرف الله، ونفس ترحم عباد الله، ويد تمتد بالخير، ولسان يصون الناس من أذاه.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، فما أحوجنا اليوم إلى أخلاقه؛ إلى صدقه في زمن كثرت فيه الأقنعة، وإلى أمانته في زمن استُسهلت فيه الخيانة، وإلى رحمته في زمن قست فيه القلوب، وإلى عفوه في زمن صار الانتقام فيه لغة، وإلى تواضعه في زمن يتنافس فيه الناس على الكِبر.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، واجعل ذكر مولده ذكرى تُحيي القلوب، لا مجرد مناسبة. واجعل محبتنا له صدقًا في العمل، ونورًا في الأخلاق، وثباتًا على الحق. اجعلنا ممن يقرأ سيرته فيزداد حبًا، ويقرأ رحمته فيزداد رحمة، ويقرأ صبره فيزداد ثباتًا، ويقرأ وصاياه فيزداد وفاءً.
لا يعرف قدر المولد إلا من عرف قدر المولود. ومن عرف قدر محمد صلى الله عليه وسلم، عرف أنه أمام أمانة محبة، وأمانة اتباع، وأمانة اقتداء. وعرف أن أعظم ما نهديه لنبي الرحمة أن نحيى بشيء من أخلاقه، وأن نحفظ وصاياه، وأن نحب أصحابه وآل بيته، وأن نكون من إخوانه الذين آمنوا به ولم يروه.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباعه، والتخلق بأخلاقه، واحفظ في قلوبنا محبة أصحابه وآل بيته، واجعلنا من إخوانه الذين آمنوا به ولم يروه، وأكرمنا بشفاعته بإذنك ورضاك، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واجمعنا به في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.