لم تكن لغة الإمام عبد السلام ياسين في مؤلفاته مجرد أداة للتعبير، بل كانت روحًا تنبض بالصدق، وقنديلًا يهدي السالكين في دروب المعنى والفكرة. كتب فكانت كلماته جسرًا بين العقل والقلب، وبين الفكر والوجدان، فلا تقرأ له سطرًا إلا وتجد فيه أثر تربية، ونفَس دعوة، ووهج رسالة.
تميّز أسلوبه بلغة عربية رصينة، مشبعة بروح القرآن والسنة، تستمد قوتها من البيان النبوي، وتتوشّح بجمال البلاغة دون تكلّف. كان يختار ألفاظه بعناية العارف بمراتب الكلام، فيجعل من السهولة بابًا للفهم، ومن العمق طريقًا للتأمل. فلا غموض يُثقِل القارئ، ولا تسطيح يُفرغ المعنى من هيبته.
في كتبه؛ تتجاور الفكرة والمناداة، والعقل والموعظة، في انسجام قلّ نظيره. ينتقل الإمام من التحليل إلى الخطاب الوجداني انتقال السحابة من سماء إلى سماء، دون أن يشعر القارئ بانقطاع أو افتعال. فتارة يخاطب العقل بحجج هادئة، وتارة يوقظ القلب بنداءات إيمانية تلامس شغاف الروح، كأن كلماته خرجت من محراب لا من مكتب.
أما تألقه الأدبي، فيتجلّى في قدرته على تحويل المفاهيم الفكرية الثقيلة إلى نصوص نابضة بالحياة، تنساب عباراتها بسلاسة، وتستقر معانيها في الذاكرة. كان يوظّف الصورة والرمز، والدعاء والنداء، فيخلق أسلوبا خاصا لا يشبه إلا صاحبه، أسلوبا يجمع بين وقار العلماء ودفء المربّين.
على خلاف بعض الكُتّاب الذين يكتفون باستحضار اللفظ القرآني تزيينا، تنبني لغة الإمام على معايشة للمعنى، البلاغة ليست في اللفظ منفردا، بل في نظم المعنى داخل النفس قبل العبارة. وذلك من خلال:
• الإيقاع القرآني الداخلي: لا يعتمد الإمام على الاقتباس المباشر بقدر ما يستبطن الإيقاع القرآني، فتأتي جمله قصيرة، متوازنة، مترددة النَّفَس، شبيهة بما سماه سيد قطب «التصوير الحي»، حيث تتحوّل الفكرة إلى حركة شعورية لا تقرير ذهني.
• الكلمة باعتبارها أثرا تربويا: تشبه لغة الإمام في هذا البعد لغة الغزالي في «الإحياء»، إذ لا تُلقى الفكرة لذاتها، بل تُصاغ لتُحدث أثرا في السلوك. ومن ثمّ، فاللغة هنا أداة تهذيب قبل أن تكون وسيلة إقناع.
• الصفاء التعبيري دون تكلّف بلاغي: يبتعد أسلوب الإمام عن الزخرف اللفظي المفرط، مقتربا من مبدأ الجاحظ في «البيان والتبيين»: «المعاني مطروحة في الطريق»، غير أن التميّز يكمن في الصدق لا في الغرابة.
• الانتقال من الخبر إلى المناجاة: كثيرًا ما ينزلق النص عند الإمام من التقرير إلى الدعاء دون فاصل، وهو أسلوب نجده عند ابن القيم، حيث تمتزج الكتابة الفكرية بنبرة وجدانية تجعل القارئ مشاركا لا متلقّيا.
• هيمنة النداء القرآني: حضور النداء (يا أخي، يا أمة، أيتها الأخت) يعكس تشبّعا بالخطاب القرآني الذي يخاطب الإنسان مباشرة، وهو ما يمنح اللغة حرارة خطابية دون أن تسقط في خطابية الشعارات.
• اللغة كجسر بين النص والحال: نقديا، يمكن القول إن الإمام نجح في تجاوز اللغة الوصفية إلى لغة تحويلية، على حدّ تعبير طه عبد الرحمن، حيث لا تكتفي العبارة بشرح القيم، بل تسعى إلى نقل القارئ من الفهم إلى التخلّق.
وهكذا، لم تكن كتابة الإمام عبد السلام ياسين مجرد إنتاج فكري يقرأ، بل كانت خطابا يعاش، وتجربة لغوية تربّي قبل أن تعلّم. لغة تؤكد أن الكلمة الصادقة، إذا خرجت من قلب عامر بالإيمان، صارت فعلا، وصار لها في النفوس أثر لا يزول.