إن من غايات القصص في القرآن الكريم؛ الاتعاظ والاعتبار بقصص السابقين سواء كانوا أنبياء ومرسلين أم عبادا صالحين ومن ضمن هذه القصص قصة لقمان الحكيم مع ابنه، وما يميز هذه الأخيرة أنها لم تسرد أحداثا ووقائع كباقي القصص القرآني بل كانت عبارة عن وصايا من الأب الحكيم لابنه. ولقمان كما قال أكثر أهل السلف لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا أما ابنه وامرأته فكانا كافرين فمازال يعظهما حتى أسلما، ولقمان إن لم يكن نبيا فإن الله تعالى وصفه بوصف الحكمة والحكمة رزق عظيم يوتيه الله من يشاء، وما أحسن أن يؤتاها الآباء والمربون..
وبالنظر في مضمون هذه الوصايا التي وردت في سورة لقمان من الآية 12الى 18، نجد أنها تميزت بالشمول والتكامل وهنا تتجلى حكمة لقمان الأب المربي، قال ابن عاشور (وقد جمع لقمان في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي الاعتقادات والأعمال وأدب المعاملة وأدب النفس). فنجده استهل وصيته لابنه بتصحيح العقيدة وذلك من خلال النهي عن الشرك مع اليقين بالحساب والجزاء في الآخرة، ثم اتبعها الوصية ببر الوالدين وكذا حسن اختيار القدوة والصحبة الصالحة، ثم وجهه إلى إصلاح القلب بالمراقبة الدائمة لله تعالى، ليوصيه بعد ذلك بإقامة الصلاة كسبيل لإصلاح العبادة، ثم بعدها جاءت الوصية بالقيام بواجب الدعوة إلى الله من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصبر على الأذى، ليختم وصاياه لابنه بوضع قواعد للأخلاق فحثه على المحمود منها وحذره من الخبيث، حيث أمره بالتواضع ونهاه عن احتقار الناس وازدرائهم بالفعل أو القول كما حذره من الكبر والغرور وأمره بالاعتدال في المشي وغض الصوت.
وحكمة لقمان الأب الناصح تجلت كذلك في تنوع الأساليب والوسائل التربوية التي اعتمدها في إيصال تلك الوصايا لابنه، وهذا ما أحوج الآباء والمربين إلى الاهتمام و الاقتداء به، ومن أهم هذه الأساليب نجد التلطف والتودد في الخطاب مع إظهار الشفقة والحنو، حيث بدأ كل وصية من وصاياه بقول يا بني فاستعمال مثل هذه العبارات أثناء التوجيه والإرشاد يكون أرجى لتحقق الاستجابة من المراد نصحه، كما اعتمد سهولة العبارة وتلخيص الكلام؛ ما قل ودل، مما يساعد على سرعة الفهم ورسوخه إلى جانب اعتماد أسلوب التعليل من خلال ذكر المقاصد و إيراد الشواهد المعززة للنصيحة، ليسهل اقتناع المنصوح وحتى لا تكون الوصايا مجرد أوامر جامدة.
ويبقى أهم هذه الأساليب التي اعتمدها لقمان الحكيم هو التدرج في النصيحة والبدء بالأهم ثم المهم فلا أهم من ترسيخ عقيدة التوحيد لذلك جعلها في مبدأ وصيته، ثم بعد ذلك بر الوالدين تم أوصاه بما فيه صلاح قلبه من اليقين بالآخرة ودوام مراقبة الله تعالى، ثم أوصاه بإقامة الصلاة ثم الدعوة إلى الله، ليختم وصيته بتهذيب أخلاقه وسلوكه، فما أحوج الآباء والمربين إلى مراعاة الأولويات عند النصح والتوجيه وتقديم الأهم على المهم حتى يحصل المراد من النصيحة. يقول الإمام عبد السلام ياسين “فإذا لم ترضع الأم طفلها الإيمان مع الألبان ولم يقد الأب خطى أبنائه الأولى إلى المسجد ولم تلقن الأسرة كلمة التوحيد للصبي أول ما يلهح بالنطق ولم تتعهده بالوصية الإيمانية فقد فات إبان الحرث” 1.
نخلص إلى أن قصة لقمان مع ابنه ووصيته له تضع لنا نحن الآباء والمربين ولكل واعظ وناصح؛ نموذجا قرآنيا للنصيحة الأبوية الحانية، الشاملة لأصول الشريعة والمرتكزة على الأساليب التربوية القويمة لنتعظ ونعتبر فنقتدي. فلا نكون ممن يرعوا الجسم من أبنائهم ويتركوا النفس والخلق، هي إذن تربية متوازنة كما يقول المرشد رحمه الله “يربى الصبيان والناشئون على حب الله والحب في الله والبغض في الله والشجاعة… والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وذكر الله المستديم ودعاؤه والتوكل عليه.. وامتلاك النفس عند الغضب وحفظ اللسان، إلى سائر شعب الإيمان ومنورات الإحسان. تلك نبذة من التربية الوقائية النفسية القلبية الروحية ليحفظ النشء من بطش الملائكة الغلاظ الشداد يوم القيامة، والوقاية الجسدية حفظ للأرض التي تنمى فيها الغرسة” 2.