حين زار الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله أحد محاضن الاعتكاف بمدينة سلا، من بين ما توقف عنده في كلمته الجامعة للمعتكفين: لماذا الاعتكاف وما أهميته؟ قائلا: «الاعتكاف فرصة ومناسبة لكي نتعمق في أنفسنا، لكي ننظر إلى قلوبنا. قلّما تتاح للناس فرص – سيما في هذا الزمان الشاغل المشغول – لكي يجلسوا إلى أنفسهم فيفتشوا باطنها وداخلها ويسألوها: إلى أين أنت ذاهبة؟ ومن أين جئت؟».
وما الاعتكاف – في حقيقته – إلا هذه الوقفة التي أشار إليها الإمام المجدد رحمه الله، وقفة الإنسان مع نفسه حين يفر من ضجيج الدنيا قليلاً، فيسمع صوت القلب الذي طالما غطّت عليه حجب سميكة وحالت دون رؤية واضحة لحقيقة الحياة ومصير الإنسان.
فالناس في هذه الدنيا يسيرون مسرعين، كأنهم في سباقٍ لا يعرفون له نهاية. تتعاقب عليهم الأيام والسنوات، وتتراكم عليهم الأشغال، حتى يصبح الإنسان غريباً عن نفسه، يعرف أخبار العالم ولا يعرف خبر قلبه. ولو سُئل كثير منهم: متى جلست إلى نفسك آخر مرة؟ لما وجد جواباً.
الاعتكاف رحمة من الله بعباده؛ كأن الله يهيئ للإنسان فسحةً من الزمن يضع فيها أثقال الدنيا عن كتفيه، ويجلس بين يدي قلبه يسائله ويستفهم منه: ما شأنك؟ وأي طريق تسلك؟
فالقلب – إذا خلا بنفسه – تكلم. وإذا تكلم كشف للإنسان من أمره ما كان مستوراً عنه. وقد يكتشف المرء في لحظة صدقٍ واحدة أنه كان يمضي في الطريق الخطأ وهو يظن أنه يحسن صنعاً. وهنا يتردد في أعماق النفس السؤال الذي أشار إليه الإمام المجدد رحمه الله: إلى أين أنت ذاهبة؟ وهو سؤال ليس للخطى وحدها، بل للروح أيضاً. فكم من إنسان يسير في الأرض ولكنه لا يعرف إلى أي غاية يسير. يكدّ ويجتهد، ويجمع ويخطط، غير أنه لم يقف لحظة ليسأل نفسه: أهذا الطريق يقربني من الله أم يبعدني عنه؟
ثم يأتي السؤال الآخر، وهو أعمق وأشد إيقاظاً: من أين جئت؟ وهو سؤال الطريق والغاية. فما قيمة السير إذا كان السائر لا يعرف وجهته؟ وما قيمة العمر إذا مضى دون أن يدرك الإنسان لأي غاية خُلق؟
إنه السؤال الذي يعيد الإنسان إلى أصله الأول، إلى لحظة الخلق، وإلى الحقيقة التي قد تغيب في زحمة الحياة: أن الإنسان لم يأتِ إلى الدنيا عبثاً، ولم يُخلق سدى، بل جاء برسالة، وسيسير إلى موعد لا بد منه مع ربه. وقد عبّر بعض الأدباء عن هذه الحيرة حين حاولوا الإجابة عن هذه الأسئلة بعيداً عن نور الوحي. ومن أشهر تلك التعبيرات ما قاله الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته الطلاسم:
جئتُ لا أعلمُ من أينَ، ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيتُ
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري!
إنها كلمات تختصر حيرة الإنسان حين يبحث عن معنى الوجود بعقله وحده. فالحياة عنده طريق يمشي فيه، لكنه لا يعرف من أين بدأ ولا إلى أين ينتهي. أما الإيمان فيبدد هذه الحيرة كلها؛ لأنه يضع أمام الإنسان جواباً واضحاً لهذه الأسئلة. فالقرآن يخبره من أين جاء، ولماذا جاء، وإلى أين يعود. جاء من رحمة الله التي أخرجته إلى الوجود، ومن نفخة الروح التي كرّم الله بها بني آدم، وجاء إلى هذه الدنيا ليكون عبداً لله وسائراً إليه.
ومن هنا تتجلى حكمة الاعتكاف، فهو لحظة توقفٍ مقصودة في مسيرة العمر، لحظة يصمت فيها ضجيج الدنيا ليعلو فيها أنين الروح.
أشار القرآن الكريم إلى مشروعية الاعتكاف في قوله تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (البقرة: 187). فالآية الكريمة تقرر وجود هذه العبادة وتربطها بالمكان الذي يصفو فيه القلب، وهو المسجد، حيث تتنزل السكينة وتأنس الأرواح بذكر الله. ولم يكن الاعتكاف مجرد تشريع نظري، بل كان سنة عملية داوم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله”. وهذا الاستمرار النبوي يدل على عمق المقصد التربوي لهذه العبادة، فهي ليست عملاً عابراً، بل مدرسة روحية يتزود فيها القلب من معاني الإيمان.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب في اعتكافه ليلة القدر، وأوصى المسلمين بتحرّيها في العشر الأواخر من رمضان، أي البحث عنها والاجتهاد في العبادة فيها، تلك الليلة التي قال الله تعالى في شأنها لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر: 3).
إن الاعتكاف في جوهره عودة إلى الداخل الإنساني الذي كثيراً ما تطمسه العادات وتغطيه الغفلة. وفي هذه الخلوة الصادقة يستعيد الإنسان القدرة على محاسبة نفسه، مصداقاً لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ (الحشر: 18).
فالاعتكاف يتيح للإنسان فرصة هذه النظرة العميقة في عمله وسلوكه ووجهته في الحياة. ولذلك فإن التزكية الحقيقية لا تنشأ في ضوضاء الغفلة، بل تنمو في لحظات الصفاء التي يراجع فيها الإنسان قلبه. وقد أشار القرآن إلى هذه الغاية حين قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (الشمس: 9). فالفلاح الحقيقي مرتبط بتزكية النفس وتنقيتها من شوائب الهوى والغفلة. وفي أجواء الاعتكاف تتجسد هذه المعاني بوضوح؛ فالمعتكف يترك وراءه كثيراً من علائق الدنيا، ويقبل على الصلاة والذكر وتلاوة القرآن والدعاء. وهكذا تتجدد العلاقة بين العبد وربه، ويستعيد القلب حيويته التي أضعفتها مشاغل الحياة.
ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجد أن الاعتكاف كان محطة تربوية عميقة في حياته؛ ففيه يكثر الذكر، وتطول الصلاة، ويقوى التوجه إلى الله. وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان “أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر” كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وهذا يدل على أن هذه الأيام كانت عنده موسماً للتجديد الروحي وبعث الهمة في العبادة.
وهكذا يظهر أن الاعتكاف ليس مجرد عبادة موسمية، بل هو مدرسة متكاملة لتربية القلب. فيه يتعلم الإنسان الصمت الذي يوقظ الفكر، والخلوة التي تصفي الروح، والذكر الذي يحيي القلب. ومن خلال هذه التجربة الروحية تتجدد العزيمة على السير إلى الله، ويبدأ الإنسان مرحلة جديدة من إصلاح نفسه وتقويم مساره.
إن الاعتكاف، بهذا المعنى، يربط المسلم بأعمق مقاصد العبادة في الإسلام: حضور القلب، ومراقبة الله، وتزكية النفس. ومن هنا كان جديراً بأن يكون محطة يتوقف عندها المؤمن كل عام ليجدد عهده مع ربه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويستأنف رحلته في طريق الإيمان بقلب أكثر صفاءً، وروح أكثر قرباً من الله.
وما أجمل أن يخرج الإنسان من اعتكافه وقد تغيّر شيء في أعماقه: أن يصبح قلبه قد عرف وجهته، ونفسه قد زكاها، وخطاه صارت في موكب التائبين الأوابين.
الاعتكاف ليس أن يقيم الإنسان في المسجد أياماً فحسب، بل أن يقيم قلبه في حضرة الله، فإذا خرج من المسجد بقي قلبه معلقاً به. وهكذا تبقى كلمة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله درساً بليغاً لكل معتكف أن هذه الخلوة ليست فراراً من الدنيا، بل عودة إلى معناها الصحيح؛ لأن الإنسان إذا أصلح قلبه أصلح طريقه كله.
وحين يخرج المعتكف من خلوته، يكون كمن غسل قلبه في نهر الصفاء، ثم عاد إلى الحياة وهو يحمل في صدره نوراً جديداً، يذكّره كلما نسي، ويوقظه كلما غفل، ويهمس له دائماً بالسؤال الذي لا ينبغي أن يغيب: من أين جئت؟ وإلى أين تسير؟