ما بال أمتي؟ (قصة)

Cover Image for ما بال أمتي؟ (قصة)
نشر بتاريخ

جلسنا كعادتنا مساء سويعة نتابع فيها ما يجري من أقدار الله في العالم، وأعيننا متوجهة صوب غزة العزة نبحث فيها عن دواء لذلتنا وخنوعنا، عن صوت يحيي فينا إنسانيتنا، المشاهد مؤلمة، يعجز اللسان عن وصفها وينفطر القلب لهولها، قد أنهكت الحرب الناس؛ أكثر من سنتين وهم بين تدمير وتقتيل وتجويع وتشريد، بل أكثر من قرن ولكن مع طوفان الأقصى بلغت الهمجية الصهيونية أوجها وعتت في الأرض فسادا واستكبارا حيث تفننت في رسم صور الدمار والخراب في تلك البقعة المباركة. فتحنا التلفاز على بيوت مهدمة وبين أنقاضها طفلة صغيرة تبحث عن أبيها وأمها وإخوتها، ألجمها الخوف فلا ترى إلا دموعا اختلطت بدماء الشهداء الزكية، لم يبق من مأوى سوى خيام مُهترئة مزقتها الأمطار وجرفتها، ما من ملجإ يحمي تلك الأجساد الصغيرة من قسوة البرد وشدته، لا تسمع سوى دوي الرياح وصرخات ألم تطلقها أم مكلومة أغرق السيل صغيرها، صرخة وجع تحاول أن توقظ بها ما بقي فينا من إنسانية؛ “الحقونا يا عالم”.

غيرت القناة لعلي اسمع عن معتصم زماننا يستجيب لتلك المرأة كما استجاب المعتصم العباسي حين استغاثت به امرأة “وامعتصماه”، لكن كما قال الشاعر:

رُبَّ وامُعتصماه انطلقت

ملء أفواه الصبايا اليتّم

لامست أسماعهم لكنَّها

لم تلامس نخوة المعتصم

وسط تلك الأخبار، تلوح لنا السودان الجريحة تئن بين مطرقة الحرب وسندان المجاعة، أعداد القتلى والنازحين في تفاقم مستمر، وشبح المجاعة أصبح يهدد بلدا بأكمله، مشاهد يندى لها الجبين، رجال ونساء يصطفون في الميادين وسط مياه الأمطار الراكدة لتسلم إعانات غذائية لا تكفي أسبوعا، استجداء لما يسدون به جوعا أنهش أجسادا فغدت نحيلة عليلة، استجداء وهم أصحاب الأراضي الشاسعة لو استصلحت لكفتهم.

اعتصرني الألم من هول المشاهد، وزاده بكاء ابنتي عُلا التي كانت تتابع معي الأخبار، لم تنبس بكلمة مع أن من عادتها أن تعلق أو تطالب بمشاهدة برنامجها المفضل، لكن هذه المرة كان تعليقها بكاء مريرا واستنكارا يعبر عن نضج ووعي وعن تشخيص لواقع أمة تعيش هوانا وترديا على جميع المستويات؛ تساءلت بألم: “ما بال أمتي مفككة الأوصال، مستباحة الأرض والعرض؟ أم من قلة يا أمي؟ ألسنا خير أمة؟ ألسنا مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟ كيف نهزم والقرآن بين أيدينا وسنته صلى الله معلومة لدينا؟ هل هذه نهاية أمتي كما اندثرت أمم سابقة؟ ما المخرج يا أمي؟”…

اختنقت الكلماتِ في حلقها، واشتدت عَبراتها، لم أدر هل أبكي لبكائها أم أُسَر لتساؤلاتها التي تنم عن حرقة لما يحدث لهذه الأمة من نكبات وبحث عن الأسباب والحلول، وفي نفس الوقت توجست خوفا من يأس أصبح يسري في القلوب كالنار في الهشيم، يأس من إصلاح حال الأمة والعودة إلى ريادتها وحمل رسالتها؛ رسالة الرحمة والسلام  للعالمين، أخذتها في حضني طويلا حتى هدأت، ثم أخبرتها بأن الله وعد هذه الأمة، ووعده حق، وعدها في الدنيا بأن يمكِّن لها في الأرض ويستخلفها ويُبْدلها من بعد خوفها أمنا، أما في الآخرة فخلود في جنات الفردوس، وما نراه من ابتلاءات وفتن عمَّ شرها فهي سنة الله في خلقه، (ولن تجد لسنة الله تحويلا)، ووعد الله يتوقف على الإيمان والعمل الصالح؛ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً… فقاطعتني في استغراب: “أو لسنا مؤمنين، نصلي ونصوم و…؟” أجبتها: “نعم مؤمنون، ولكنه إيمان بال وضعيف لا يرْق بصاحبه في معارج الإحسان ولا بالأمة في سلم العزة والتمكين، إيمان يحتاج للتجديد بالإكثار من قول لا إله إلا الله حتى تصبح هذه الكلمة بوصلة أعمالنا، فتنبعث إرادتنا الجهادية لتغيير ما بالأنفس واقتحام عقبات تحول دون العبد وسلوكه إلى الله والأمة دون غايتها الاستخلافية، فلا يتوقف الإيمان عند الفرد بل ينتقل بين الأفراد، ليصبح قوة فاعلة في تغيير واقع الأمة بتجديد أمر دينها”.

استنكرت علا الأمر: “هل تعني بتجديد الدين أن نخترع فيه شيئا جديدا يساير واقعنا؟”، فبينت لها أن تجديد الدين لهذه الأمة كما جاء في الحديث «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مِائة سنة من يجدد لها دينها»، إنما المقصود منه تجديد تدينها وفهمها للدين في جميع أمورها، إنه تجديد يبدأ بإحياء الإيمان في القلوب والربانية في الأمة ليكتمل بتوحيدها وجمع شتات أمرها من خلال الاجتهاد في قضاياها الكبرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ويتوَج بإخراج الإنسانية من ذل الخضوع لغير لله والانتصار للمستضعفين… عادت لمقاطعتي من جديد لتسألني عن الكيف: “ولكن كيف يتأتى ذلك؟ لا بد من خطوات عملية نسير عليها لنستحق الوعد الإلهي بالتمكين والنصر، كيف نترجم كتاب ربنا وسنة رسولنا أعمالا تحيي العبد وتبعث الأمة من جديد؟

أعجبني تساؤلها الذي يبحث في أمر الكيف ولا يقف عند التشخيص، فأجبتها: “صدقت بنيتي، فلا بد من خطوات إجرائية نقتحم بها كل هاته الفتن، لا بد من دواء نعالج به قسوة قلوبنا وجفافها من الإيمان فتصبح سليمة لتستقبل نداء ربها فتستجيب خاشعة منيبة إليه، لا بد من دواء لـ”داء الأمم” الذي أصاب أمتنا؛ داء الوهن أي حب الدنيا وكراهية الموت ، لا بد من علاج لغثائيتنا، فنحن كثير ولكن غثاء كغثاء السيل (ما يَطفو على ماء السَّيل مِن زَبدٍ وأوْساخ) كما وصفنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذه الأدواء لا بد أن تنبع من كتاب ربنا وسنة نبينا وليست مصنوعة في صيدليات الغرب. ولقد تعرضت الأمة عبر العصور لفتن واضطرابات اجتهد لها العلماء لمواجهتها بما يوافق زمانهم، وقد اجتهد الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، في وضع نظرية المنهاج النبوي، بذل فيها عصارة فكره، جاء بشعب الإيمان التي استقاها من كتاب الله وسنة رسوله وصنفها في  خصال عشر اجتهد في ترتيبها بناء على التجربة التربوية الخالدة التي بدأت بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته،  فقد تربى الصحابة وتشربوا معاني الإيمان والإحسان من خلال صحبتهم لرسول الله وأفضت هذه الصحبة لبناء كيان جماعة قوية مجاهدة تحمل رسالة السلام والرحمة للعالمين، وما أحوجنا اليوم لاتباع المنهاج النبوي الذي يجمع بين مصير الفرد ومصير الأمة، منهاج ينقل المسلم عبر صحبة ولي مرشد من قعود واستكانة لولي الله لمقام الجهاد وسط جماعة مؤمنة مجاهدة.

“ولكن ماذا تقصدين بالخصال العشر التي تضم شعب الإيمان؟” وكيف يمكنني أن أكون لبنة في هذا البناء؟ سألت علا، ضحكتُ قائلة: “كعادتك، أسئلتك كالسيل لا تنتهي، لقد تأخر الوقت، ولكن أعدك أن أباك سيجيبك عند عودته من السفر.