ما وراء الأرقام.. هجرة تكشف عمق الأزمة

Cover Image for ما وراء الأرقام.. هجرة تكشف عمق الأزمة
نشر بتاريخ

بلغ عدد الذين وصلوا إلى مدينة سبتة المحتلة خلال موجة الهجرة الأخيرة عشرات الآلاف، إذ تحدثت السلطات الإسبانية عن نحو 60 ألف شخص تمكنوا من الوصول إلى المدينة في ظرف وجيز، فيما قدر عدد الوافدين خلال أربع وعشرين ساعة الأولى بنحو 49 ألفا، في أكبر تدفق من نوعه منذ أزمة سنة 2021. وأسفرت محاولات العبور عن سقوط عشرات الضحايا غرقا أو في ظروف مرتبطة بالهجرة (67 شخصا وفق إعلان السلطات الإسبانية إلى حدود اليوم)، في مشاهد أعادت إلى الواجهة ملف الهجرة غير النظامية، لكنها أثارت أيضا تساؤلات أعمق حول الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع هذا العدد الكبير إلى المجازفة بحياته من أجل بلوغ الضفة الأخرى.

وتزداد دلالة هذه الأرقام بالنظر إلى طبيعة المشاركين في هذه الموجة؛ فإلى جانب الشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر، أظهرت الصور ومقاطع الفيديو عائلات بأكملها تخوض مغامرة العبور، يصطحب بعضها أطفالا صغارا، كما شوهد أشخاص متقدمون في السن يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر قد تنتهي بالغرق أو الفقدان، وهي مشاهد توحي بأن الرغبة في الهجرة لم تعد مقتصرة على فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، وإنما امتدت إلى شرائح مختلفة، يجمع بينها شعور متزايد بانسداد الأفق وتراجع الأمل في تحسين أوضاعها داخل الوطن.

وتتجاوز دلالات هذه الهجرة الجانب الاقتصادي المرتبط بالبحث عن العمل، لتلامس أزمة أعمق تتعلق بالإحساس بالاستقرار والكرامة والأمان الاجتماعي. فعندما تغامر أسرة بطفلها في البحر، أو يختار شخص متقدم في السن ركوب هذا الخطر، فإن ذلك يثير تساؤلات مؤلمة حول حجم اليأس الذي قد يدفع الإنسان إلى تفضيل المجهول على واقع يراه عاجزا عن توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

وتأتي هذه المشاهد في سياق تحديات متراكمة، من ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، واستمرار مظاهر الهشاشة الاجتماعية، واتساع الفوارق المجالية، فضلا عن الإكراهات التي تواجه القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وهي عوامل تشير إليها تقارير وطنية ودولية بصورة متكررة، إضافة إلى إثارتها بشكل متكرر من طرف القوى الحية بالبلاد.

كما تعكس هذه الموجة تراجعا في ثقة جزء كبير من المجتمع، استجاب لنداء الهجرة بشكل عفوي وعشوائي، بقدرة السياسات العمومية على تحسين أوضاعه، إذ لم يعد حلم الهجرة يقتصر على الباحثين عن فرص اقتصادية أفضل، يتساوى في ذلك حاملو الشهادات مع عامة أفراد الشعب ويختلفون في الوسيلة، بل أصبح تعبيرا عن الرغبة في الخروج من واقع يشعرون فيه بالعجز وانسداد الأفق، حتى وإن كان الطريق محفوفا بالموت.

ولذلك، فإن فضلاء البلد ما فتئوا يؤكدون أن الاقتصار على المقاربة الأمنية، مهما بدت ظاهريا نجاعتها في الحد من تدفقات الهجرة، ليس كافيا لمعالجة الظاهرة. فالهجرة غير النظامية هي في جوهرها مؤشر اجتماعي يكشف عن اختلالات بنيوية تتطلب سياسات تنموية حقيقية، تعيد بناء الثقة، وتوفر فرص الشغل، وترتقي بالخدمات العمومية، وتمنح المواطنين، وخاصة الشباب، أسبابا تدفعهم إلى التشبث بوطنهم بدل المخاطرة بحياتهم في سبيل مغادرته.