ماء "العدل والإحسان".. الواحدُ العذب الزُّلال

بقلم: أشرف طاهرية
لا يزال الحضور الصوفي الخفي يهيمن على عقول بعض الباحثين في فهمهم لسلوك جماعة العدل والإحسان، إذ يحلو لبعضهم تعريفه بأنه مسار ذو خطين متوازيين، خط إحساني صوفي، وخط عدلي سياسي.
فالجماعة، من حيث اشتغالها العميق بأمور الدعوة والتربية، تقترب كثيرا -حسب قولهم- من سلوك الزاوية الصوفي، ومن حيث مطلبها العدلي، وانخراطها الفعلي في قضايا الشأن العام، فهي أدنى ما يكون من نهج الحزب السياسي.
مشكلة هذا التعريف أنه يقدم المكونين العدلي والإحساني على صورة خليطٍ تركيبيٍ تلفيقي، لم ينصهرا بعد في بوتقة واحدة.
والحقيقة -في نظري- أن الجماعة تسير وفق خط واحد، لا خطين متوازيين، وهو خط متميز تمام التميز عن ذانك الخطين (التربوي الصوفي والسياسي الحزبي)، يتقاطع معهما في بعض العناصر، لكنه يتجاوزهما إلى كيان ذي هوية خاصة، يجد تأصيل حقيقته في النموذج الخالد، نموذج جماعة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم.
إنّ أول ما ينبغي أن يقع في ذهن المتمثل لخط سير جماعة العدل والإحسان، هو خط واحد يضم البعدين العدلي والإحساني، لا خطان متوازيان، في تركيب تلفيقي هذا عدلي وهذا إحساني.
أما استحضار الخطّين وتمييز البُعدين فيكون مطلوبا من باب التخصص وتنظيم الفعل الميداني، لا من باب الاستيعاب المبدئي والكلي لهوية وكينونة الجماعة.
فالماء مثلا، ليس مجرد تركيب تلفيقي من ذرّتي الهيدروجين والأوكسجين، بل سر وجود الماء في وجود رابطة خاصة جمعت بين ذرتي الهيدروجين والأوكسجين، واستطاعت أن تنقلهما من كيانين مستقلين إلى شيء آخر مغاير، يضمّهما، لكنه يختلف عنهما اختلافا كاملا، وهو الماء، بكل خصائصه المتميزة وصفاته الفريدة. وبدون وجود هاته الرابطة لا وجود ممكن للماء، وإن وُجد الأوكسجين والهيدروجين.
فلا نفهم الماء على أنه وجود متواز لذرتين مختلفتين، ولكنه -ابتداء- هو هيئة واحدة، لها سماتها وهويتها الخاصة، هي الماء.
إن سر سلوك جماعة العدل والإحسان في سر وجود تلك الرابطة التي جمعت بين العدل والإحسان، والتي دل على وجودها كتاب الله تعالى، وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فسلوك الجماعة إذًا، ليست تركيبا تلفيقيا من الهيدروجين والأوكسجين، أو من العدل والإحسان -كما قد يتصور بعضهم- ولكنه، ذلك الكُلّ الذي امتزج بسر رباني وانصهر فصار ماءً واحدًا عذبًا زلالًا.
قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله تعالى، متحدثا عن مطلبي العدل والإحسان: "هما مطلبان متحدان لا يفترقان: مطلب العدل للأمة جمعاء، ومطلب الإحسان للإنسان... الجمع بين المطلبين، العدل والإحسان، هذا شيء كان مجتمعا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة غير منقوصة، في سعي الفرد المسلم، الفرد الإنسان، إلى معرفة الله عز وجل والتقرب إليه بالفرض والنفل، وفي السعي إلى إقامة العدل في الأرض".








