متى يعود كمال العماري؟

Cover Image for متى يعود كمال العماري؟
نشر بتاريخ

ليس كل الذين يخرجون يعودون.

وليست كل الطرق تؤدي إلى البيوت.

ثمة طرق تبدأ عادية إلى حد لا يلفت الانتباه، شوارع يمر فيها الناس كل يوم دون أن يتوقعوا منها مفاجأة، ومساءات تبدو كسائر المساءات حتى تنحرف فجأة عن وجهتها وتصبح تاريخا. لا تنذر أحدا بما تخبئه، ولا تمنح العابرين فرصة للاستعداد. تنحرف فقط، ثم تنتهي، ويظل من بقي بعدها يحاول أن يفهم كيف كان الشارع نفسه، وكيف تبدل كل شيء.

كان كمال عماري يومها في طريق العودة.

هذه هي الجملة التي ينبغي أن تبقى مضاءة من أول الحكاية إلى آخرها.

كان عائدا.

عائدا من إحدى مسيرات حركة 20 فبراير، في ذلك الزمن الذي خرجت فيه الشعوب العربية تسأل أسئلة ظلت حبيسة الصدور زمنا طويلا، وحين اكتشف الناس أن للأحلام أقداما تستطيع النزول إلى الشارع.

وفي المغرب أيضا، خرج آلاف المواطنين يطالبون بالإصلاح والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وكان كمال واحدا من أولئك الذين آمنوا أن للمواطن حقا في أن يحلم بوطن أعدل، وحقا في أن يعبر عن ذلك الحلم سلميا، دون خوف ودون ثمن يدفعه من جسده.

انتهت المسيرة في ذلك الأحد التاسع والعشرين من ماي لعام أحد عشر وألفين والذي سيحفظه كثير من أبناء آسفي بلون واحد.

ليس لأن الشمس غابت يومها أبكر من عادتها، بل لأن العنف الذي رافق ذلك اليوم ترك في الذاكرة ظلا أطول من المسيرة نفسها.

انتهت المسيرة.

لكن بعض أيام التاريخ لا تنتهي بانفضاض الجموع.

وبدأ طريق العودة.

كان متوجها إلى عمله الليلي في ميناء آسفي، حيث كان يشتغل حارسا. رجل بنصفين لا يرهق أحدهما الآخر: نهاره للحلم بوطن أفضل، وليله للسعي من أجل رزق كريم.

لم يكن يحمل في يديه سوى ما يحمله العائدون عادة: بعض التعب، وبعض الأفكار، وما تبقى من نهار يوشك أن يذوب في الغروب.

كانت آسفي تمضي نحو مساء آخر من مساءاتها البحرية. الباعة يجمعون سلعهم. والأبواب تستعد للإغلاق. والبحر، في مكان قريب، يواصل عادته القديمة في محو آثار الأقدام عن الرمل.

أما كمال، فكان يمضي إلى عمله.

لم يكن يعرف أن الطريق التي سلكها مرات لا تحصى قررت، فجأة، أن تصبح طريقا أخرى.

في زقاق من أزقة دار بوعودة، قدر له أن يتوقف..

وما أغرب أن يحمل المكان اسما يفيض بمعاني العودة، بينما كان ذلك الشارع نفسه آخر ما سيعبره في طريقه إلى البيت.

أحيانا تبدو الأسماء وكأنها تسخر من مصائر أصحابها، أو كأن القدر يخبئ في الحروف ما لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان.

أوقفه رجلان بلباس مدني.

تقدم أحدهما وسأله: هل كنت في المسيرة؟

بعض الأسئلة لا تطرح بحثا عن جواب.

تطرح لتفتح الباب لما بعدها.

لكن كمال لم يكن من أولئك الذين يجيدون الاحتماء بالالتباس، أو يلوذون بأنصاف الكلمات حين تستدعي اللحظة وضوحا كاملا.

رفع رأسه وقال: نعم. لا أكثر.

ثلاثة أحرف فقط لم يزد عليها..  غير أن لها ثمنا غال… التاريخ الإنساني كله يكاد يكون حكاية طويلة عن رجال ونساء دفعوا أثمانا باهظة لأنهم قالوا الحقيقة حين كان الصمت أكثر أمنا.

ما جرى بعد ذلك حفظته ذاكرة الشهود، وحملته روايات الأصدقاء، وتابعته هيئات حقوقية لسنوات طويلة.

في زقاق ضيق من أزقة الحي، انهالت الهراوات على جسده؛ على الرأس، على الصدر، على الساقين، على الوجه.

ضربات متلاحقة لا تكاد تترك موضعا إلا أصابته.

وحين حاول الابتعاد، لحقه الألم.

وحين حاول الوقوف، عاود السقوط.

وكأن المطلوب لم يكن إسكات رجل فحسب، بل معاقبة فكرة يحملها.

ثم انتهى كل شيء بالسرعة نفسها التي بدأ بها.

مضى “الرجال”… وبقي الوجع.

لم يستطع أصدقاؤه أخذه للمستشفى لأنه كان مطوقا برجال “الأمن” لذلك حملوه إلى البيت، كانت أمه الحاجة فاطمة تنظر إليه بعينين لا تصدقان ما تريان.

لم تكن ترى الرجل الذي بلغ الثلاثين، كانت ترى الطفل نفسه..

الطفل الذي ولد في صباح هادئ من غشت سنة 1981.

الطفل الذي تأخر في الكلام أربع سنوات كاملة، حتى خشي أهله ألا تأتي الكلمات أبدا، ثم ما إن فتحت له أبواب اللغة حتى صار صوته مألوفا في البيت والحي والمسجد.

كانت ترى ذلك الطفل الذي لم يكن ينام إلا إلى جوار أبيه، وذلك الفتى الذي كان يسابق المؤذن إلى الأذان، وذلك الشاب الذي أحب الناس وأحبوه. كانت تتذكر، كما كانت تفعل دائما، حكاية ولادته اليسيرة التي لم تشعر فيها بألم يذكر، وكانت ترى فيها بشارة خير.

لكن الحياة لا تفي دائما بوعود بداياتها، أحيانا تمنح أجمل إشاراتها في الصفحة الأولى، ثم تكتب بقية الحكاية بحبر آخر.

كل المسكنات التي وصفها له الطبيب الذي أخذوه إليه لم تنفع، في اليوم التالي بدأ يتقيأ الدم.

وكان شيء ما داخل الجسد يواصل عمله الصامت، لا يرى، ولا يسمع، ولا يستعجل.

حتى إذا جاء ظهر الثاني من يونيو سنة 2011، أسدل الستار، في مستشفى محمد الخامس بآسفي، المستشفى نفسه الذي شهد ميلاده قبل ثلاثين عاما.

هناك بدأ النفس الأول.

وهناك انتهى النفس الأخير.

وكأن الحياة، بعد رحلة كاملة، عادت إلى النقطة التي انطلقت منها.

دائرة أغلقت نفسها بنفسها، وقوس اكتمل.

لكن الإنسان ليس تاريخي ميلاد ووفاة، فالشرطتان الصغيرتان اللتان تفصلان بين التاريخين على شاهد القبر تبدوان قصيرتين جدا، ومع ذلك فهما الحياة كلها.

هناك، بين 1981 و2011، عاش كمال عماري، كان ابنا بارا، وصديقا وفيا، وعاملا يكابد ليله من أجل رزقه، وشابا يمد يده للناس كلما استطاع.

وفي رحاب جماعة العدل والإحسان تشكل جانب من وعيه ومساره، فحمل هم الدعوة والتربية كما حمل هم الحرية والكرامة والعدل، ورأى في خدمة الناس طريقا إلى الله قبل أن تكون طريقا إلى تقدير الناس.

وكان يؤمن، مثل كثيرين من أبناء هذا الوطن، أن الحرية ليست ترفا لغويا، وأن الكرامة ليست شعارا يرفع في المناسبات، وأن العدالة ليست وعدا مؤجلا إلى ما لا نهاية.

بعد رحيله رحمه الله بدأت معركة أخرى.

معركة الحقيقة.

قيلت روايات مختلفة، وكتبت تقارير، وفتحت ملفات، وطرحت أسئلة كثيرة.

لكن سؤالا واحدا ظل واقفا في منتصف الطريق، يرفض أن يختفي:

ماذا حدث لكمال عماري في ذلك المساء؟ ولماذا؟

مرت السنوات، سنة بعد سنة، وما يزال السؤال حيا، وما تزال العائلة تنتظر.

وما تزال الحقيقة تبحث عن طريقها الكامل إلى النور..

لكن بعض الغائبين يرفضون أن يغيبوا، كلما أقبل آخر ماي، عاد اسم الشهيد كمال العماري من جديد.

يخرج من الصور القديمة.

ومن الذكريات.

ومن حكايات الأصدقاء.

ومن دموع الأم التي لم تتعلم كيف تتصالح مع الفقد.

ومن حزن الأب الدائم.

يعود كمال عماري إلى الذاكرة، كما يعود الذين تركوا في القلوب أثرا أكبر من أعمارهم.

أحيانا تختصر حياة كاملة في لحظة واحدة.

وحياة كمال عماري تختصرها، ربما، تلك اللحظة القصيرة في دار بوعودة.

سؤال.

وجواب.

ــ هل كنت في المسيرة؟

ــ نعم.

ثم تكفل ما بعد ذلك بكتابة بقية الحكاية.

أما تلك الكلمة الصغيرة، فقد بقيت.

نجت من الضرب.

ونجت من السنوات.

ونجت من النسيان.

لأن بعض الكلمات، حين تخرج من القلب صافية، تصبح أطول عمرا من أصحابها.

خرج يطلب الحرية والكرامة والعدالة.

وكان يظن، مثل كل العائدين، أن الطريق ستقوده إلى البيت.

لكنها قادته إلى الذاكرة.

ومنذ ذلك الأحد الأسود، ما يزال كمال عماري يعود كل عام إلى قلوب محبيه، بينما ينتظر أهله أن تعود الحقيقة هي الأخرى.

أما هو…

فقد بقي إلى الأبد في طريق العودة.

متى يعود كمال عماري؟

ليس إلى البيت.

فالبيوت لا تستعيد أبناءها من المقابر.

وليس إلى الميناء.

فالليل الذي كان ينتظره هناك انقضى منذ زمن.

يعود كمال يوم تعود الحقيقة كاملة.

يوم تعرف الأمهات لماذا فقدن أبناءهن.

يوم تصبح العدالة أكثر قوة من النسيان.

إلى ذلك الحين…

سيظل كمال عماري في طريق العودة.


الشهيد كمال عماري

آسفي 1981 — 2 يونيو 2011

عاد من المسيرة … لكنه لم يصل إلى البيت