في عالمٍ لم يندمل بعد من جراح الحروب، يُعاد اليوم تقديم مفهوم «السلام» في قالب جديد، تحت مسمى «مجلس السلام». غير أن التمحيص في خلفيات هذا المجلس، ومرجعياته، وسياق تأسيسه، يكشف أننا لسنا أمام سلامٍ بالمعنى الحقوقي والإنساني، بل أمام إعادة تعريف خطيرة لمفهوم السلام نفسه.
فالسلام، كما يُطرح في هذا النموذج، لم يعد يعني إنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق، وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها، بل اختُزل في معادلة تقنية باردة: استقرار أمني + نزع سلاح + استثمار اقتصادي.
وبهذا الاختزال، يُفرَّغ السلام من جوهره الأخلاقي والقانوني، ويُستبدل الهدوء القسري بالعدالة الحقيقية، وتُدار نتائج الصراعات بدل معالجة أسبابها.
غــزة… من قضية تحرر إلى ملف إدارة
يتجلى هذا الانزلاق بوضوح في الحالة الفلسطينية، وخاصة في غـزة، حيث يُراد تحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة ما بعد نزاع، وربط إعادة الإعمار بشروط أمنية وسياسية، في مقدمتها نزع سلاح المقـاومة.
وهو مسار لا يفضي إلى سلام، بل إلى تكريس الأمر الواقع، وتجميد الحل السياسي، وتهميش الحق في دولة فلسطينية مستقلة، مقابل وعود تنموية مشروطة.
هذا الطرح يتناقض صراحة مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، ويؤدي عمليا إلى إفراغه من محتواه، حين تُدار النزاعات خارج منظومة الأمم المتحدة، وبدون مرجعيات قانونية واضحة، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف. والنتيجة هي مساءلة انتقائية عن جرائم الحرب، تخضع لموازين القوة لا لميزان العدالة.
الخطر البنيوي: حين تحل السياسة محل القانون
مخاطر «مجلس السلام» ليست تقنية أو إجرائية، بل بنيوية عميقة. فالإشكال ليس في وجود هيئة جديدة، بل في أن تحلّ السياسة محل القانون، وأن يُدار السلام كـصفقة لا كـحق.
ويزداد هذا الخطر حين يُسند المجلس إلى قيادة سياسية واحدة، بصلاحيات واسعة، ما يُسقط شرط الحياد، ويربط قرارات “السلام” بأجندات جيوسياسية محددة، فيتحول السلام من غاية إنسانية إلى أداة نفوذ وضغط.
سلام يقوده رعاة الحرب؟
هنا تفرض التجربة التاريخية أسئلة لا يمكن تجاوزها:
كيف يُعقل أن يقود السلام من كان، تاريخيا، في صدارة قادة الحروب؟
وكيف يُطمأن إلى مشروع سلام ترعاه دولة قادت حروبا مدمّرة، من العراق إلى أفغانستان، بكذبات ثبت زيفها، ونتائجها ما تزال شاهدة في الخراب والدماء؟
وما الذي حلّ بغزة إلا نتيجة مباشرة لسياسات وسلاح ودعم سياسي غير مشروط، وفّر الحماية لمرتكبي جرائم حرب وإبادة جماعية. فكيف يمكن لمن كان حاميا للمجرمين أن يتحوّل فجأة إلى راعٍ للسلام؟
إنها ليست مفارقة بريئة، بل خديعة سياسية، يُراد بها تجاوز منظومة دولية باتت عاجزة عن تبرير الهيمنة، بعد أن انكشفت ازدواجية معاييرها أمام الرأي العام العالمي.
سلام الصفقات لا سلام القيم
ليس من المصادفة أن يُؤسَّس هذا المجلس في منتدى اقتصادي، حيث تتحكم المصالح والعوائد في القرارات، وتُقاس القيم بالأرقام، وتُبنى العضوية على ثمن الانخراط، لا على الالتزام بالعدل.
في هذا النموذج، لا يكون السلام مشروع قيم، بل استثمارا سياسيا، يعطي ليأخذ، ويدفع ليحكم.
المغرب… أسئلة مشروعة بلا مزايدة
في هذا السياق، يحق للمغاربة أن يطرحوا أسئلة هادئة ومسؤولة:
ماذا يمكن أن يكسب المغرب من الانخراط في مسار تحفّظت عنه دول وازنة؟
وهل نحن أمام مبادرة سلام حقيقية، أم أمام انزلاق إلى ترتيبات قد تُقحمنا في صراعات لا تخدم لا أمننا ولا قيمنا؟
أليس من المشروع أن نخشى أن تتحول شعارات «محاربة الإرهــاب» يوما ما إلى غطاء لطلب مشاركة عسكرية أو سياسية في مسارات تمس قضايا عادلة، وفي مقدمتها فلسطين؟
خاتمة
السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يُدار بالصفقات، ولا يولد من رحم الحـرب.
السلام الحق هو الذي يقوم على العدل، والحقوق، وإنهاء الاحتلال، لا على إدارة الهيمنة بوسائل ناعمة.
وإذا كان ظاهر هذا المجلس سلاما، فإن باطنه -كما توحي الوقائع- قد يكون إعادة إنتاج للحرب بأدوات جديدة.
والتاريخ علّمنا أن السلام الذي لا يقوم على العدالة، ليس سلاما، بل هدنة مؤقتة في انتظار انفجار جديد.