مجلس “السلام الترامبي” هل هو مسمار في نعش الأمم المتحدة؟

Cover Image for مجلس “السلام الترامبي” هل هو مسمار في نعش الأمم المتحدة؟
نشر بتاريخ

مع بداية العدوان على غزة استضافتني قناة المنار اللبنانية لمناقشة الأحداث، وكان من بين المشاركين أستاذ للقانون الدولي في الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد استفزه كثيرا قولي “إننا نعيش بداية النهاية لقواعد القانون الدولي” التي تشكلت بعيد الحرب العالمية الثانية ـ الحرب الأهلية الأوروبية التي فرضت على العالم ـ وأننا بإزاء تشكل قواعد جديدة ومؤسسات جديدة، وأنه سيتم تجاوز الأمم المتحدة والمواثيق والقوانين والقرارات والهيئات، لصالح قواعد وهيئات جديدة، لأن مقولات وضرورات وتوازنات ما بعد الحرب العالمية المدمرة، تم تجاوزها وباتت تشكل قيودا أخلاقية وقانونية تحول دون انطلاق طموحات أمريكا المتصهينة التوسعية المتوحشة.

الآن أعود لمناقشة الموضوع من جديد وقد تكشفت كثير من الحقائق والمعطيات، منطلقا من سؤال بدأ يتردد إعلاميا وسياسيا، هل يمكن القول إن ترامب يسعى إلى تدمير الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي بالمعنى الحرفي؟ أم إنه من الدقيق علميًا القول إنه فقط يعمل على تفكيك الأصول المعيارية والمؤسسية للنظام الدولي الليبرالي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، واستبداله بمنطق الصفقة، القوة، والمصلحة القومية القصوى.

بعد الحرب العالمية قام النظام الدولي ما بعد 1945 على أربعة أسس شكلت هويته المستقبلية التي عرفت على مدى ثمانية عقود تقريبا، هي: تعددية القوى وعلى رأسها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومركزية الأمم المتحدة باعتبارها المجسدة للإرادة والشرعية الدولية، وأولوية القانون الدولي على منطق القوة، ومبدأ المساواة القانونية بين الدول القائمة على مبدأ احترام السيادة، لكن هذه النظرة تغيرت مع ترامب والتيارات التي يمثلها، حيث انطلق من تصور صهيوني–قومي متطرف، يرى أن المؤسسات الدولية تضر بالمصالح، وتقيد القوة الأمريكية وحليفتها “إسرائيل” بدل خدمتها، وأن القانون الدولي ينبغي التعامل به كأداة سياسية لا التزامًا أخلاقيًا، وأن الشرعية تُستمد من ميزان القوة لا من الإجماع الدولي، ووفق هذا التصور تم إدارة الملفات دوليا في عدة مناطق وبدأ تقويض نظام ما بعد 45، وقد كشفت الحرب على غزة حجم التناقض بين التيارين، ويمكن رصد مؤشرات التقويض المنهجي على أربع مستويات متداخلة:

1- إضعاف التعددية

لم يدع ترامب إلى الانسحاب كليًا من الأمم المتحدة، لكنه بالمقابل عملت أمريكا على تهميش دورها سياسيًا في العديد من النزاعات الدولية، وتعطيل أجهزتها عبر منع التمويل والضغط كما فعلت مع منظمة الصحة العالمية والأنوروا، والسعى إلى إنشاء آليات موازية مثل “مجلس السلام” خارج بنيتها، والتشكيك في جدواها وفعاليتها، وهذا يعكس منطق التفريغ من الداخل لا الهدم المباشر.

2- ضرب الشرعية

قامت سياسة أمريكا في الآونة الأخيرة على انتقائية الالتزام بالقانون الدولي بما يوافق هواها ومصالحها، بل وحتى شرعنة خرقه إذا تعارض مع “المصلحة القومية”، وكذلك تسييس مفاهيم مثل السلام، الأمن، وحقوق الإنسان وهذا بات واضحا في تصريحات ترامب التي تجاوزت كل قواعد اللياقة واللباقة، فمثلا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قال: “لم نحصل على أي شيء من الأمم المتحدة” واعتبر أنها تمتلك إمكانات هائلة، لكنها ليست قريبة من تحقيق هذه الإمكانات، لأنها منظمة فاسدة حيث تهكم قائلا حتى “عملية بناء مقر الأمم المتحدة شابها فساد”، إن ما تقوم به أمريكا بشكل ممنهج يؤدي إلى تآكل الأساس الأخلاقي والوجودي للنظام الدولي، لأن الخروقات والاستثناءات لم تعد تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط كما في السابق، بل امتدت لتشمل مناطق أخرى.

3- تقزيم السيادة

تعتبر مبادرة “مجلس السلام” التي دعا لها ترامب وعارضتها كبريات العواصم الدولية، وقد عبر عنها رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، حين قال:” لدى القادة الأوروبيين “شكوكا جدية” بشأن نطاق عمل “مجلس السلام”، وأن الشكوك تتعلق بشأن “عدد من بنود ميثاق مجلس السلام، المتعلقة بنطاق عمله وإدارته، ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة”، بالطبع مجلس السلام هذا يعد آخر تعبير على جنون العظمة الأمريكي، وآخر إجراء عملي على تقويض الأمم المتحدة وقواعدها فهو يقوم على أسس جديدة تقطع مع قواعد الماضي، وتفرز العالم على قاعدة معنا أو مع “الإرهاب”:

  • عضوية مشروطة بالقدرة المالية أو السياسية، فدولة مثل المغرب مثلا ووفق قائمة مساهمات الدول لهذا العام دفع المغرب الفقير الغارق في المديونية أواخر شهر يناير الماضي مبلغ 2.007.921 دولارا أمريكيا، للأمم المتحدة وسيدفع لمجلس ترامب مليار دولار أي ثلث ميزانية الأمم المتحدة، فبحسب بلاغ الجمعية العامة في 2025 بلغت “الميزانية العادية المعتمدة لعام  3.72 مليار دولار فقط.
  • تفاوت في الحقوق داخل نفس الإطار المؤسسي، فلا يمكن أن تكون حقوق الكيان الصهيوني مساوية لأي دولة، ولأن الانخراط في “مجلس السلام الترامبي” هو صك حماية أمريكي معلن.
  • مركزية القرار بيد قوة واحدة، هي أمريكا، وبالتالي سحب البساط من أعضاء مجلس الأمن الدولي، ومن فيتو الصين وروسيا وفرنسا، وبالطبع كل هذا يتناقض جوهريًا مع مبدأ السيادة المتساوية للدول المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

4- تدوير مفهوم “السلام”

في الضمير الأممي المثقل بنتائج حرب عالمية مدمرة شاملة، خسائر بشرية فادحة تقدر بنحو 60 إلى 78 مليون قتيل، معظمهم من المدنيين نتيجة للمعارك، الأمراض، والمجاعات، دمار شامل للبنية التحتية والاقتصاد في أوروبا وآسيا وإفريقيا. تأسس مفهوم السلام الدولي على قواعد العدالة، الشرعية، واحترام القانون، لكن في تصور ترامب وصقور إدارته؛ السلام مؤسس على الردع، والسيطرة، والصفقات الاقتصادية، وهذا انتقال من السلام القيمي إلى السلام الوظيفي القسري.

بدون شك، أنه إذا استمر هذا السلوك الأمريكي “الإمبراطوري”، وتم جر العالم إليه بأشكال الضغط والإغراء والتهديد، ستفقد الأمم المتحدة دورها كمرجعية أخلاقية وقانونية، وسيزداد منطق “القانون للأقوياء”، وستُدفع الدول الضعيفة نحو مزيد من الهشاشة أو الارتهان، فترامب لا يهدم الأمم المتحدة بالجرافة، بل يسحب منها المعنى والوظيفة، وهو لا يلغي القانون الدولي، بل يعيد تعريفه كأداة في يد القوة، وهذا أخطر على النظام الدولي من الهدم الصريح، لأنه يُنتج فراغًا قيميا وأخلاقيا طويل الأمد، خاصة في ظل معطيات تشي بأن ترامب لا يملك تصورًا نظريًا متكاملًا لنظام بديل، لكنه يفتح المجال لنظام دولي أكثر فوضوية قائم على وحدة مراكز القوى دون مرجعية قانونية جامعة، فبعبارة أدق، نحن أمام تفكيك غير مكتمل للنظام القديم، دون بناء نظام جديد مستقر، وهو ما يفتح العالم على احتمال حروب كبرى، خاصة مع شخصية تشبه في ملامحها العامة الزعيم النازي أدولف هتلر، ففي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، قال ترامب: إن سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة لا يحدها سوى “أخلاقه الشخصية”، وعندما سُئل عما إذا كانت هناك أي قيود على صلاحياته العالمية، أفاد ترامب “نعم، هناك شيء واحد، أخلاقي الشخصية عقلي، هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني، ولست بحاجة إلى القانون الدولي”، هذا الشعور بالقوة المطلقة وبالمصلحة المطلقة، الذي عززه محاولة تأجيل الصين وروسيا وأوروبا المواجهة المباشرة مع واشنطن، هو ما يجرئ ترامب على تقمص شخصية “المسيح المخلص” التي غرس بذور فكرتها خامات الحركة الصهيونية في وجدانه.