في سياق داخلي ووطني وإقليمي خاص، عقدت جماعة العدل والإحسان مجلس شوراها في دورته الرابعة والعشرين يومي 09 و10 شوال 1447هـ/ الموافق لـ28-29 مارس 2026، تحت شعار “هَمُّ الأمة يحمله الأقوياء بالعلم والخبرة، الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده”، حيث استعرض المجلس أهم الملفات الداخلية الخاصة بالجماعة والقضايا الوطنية والإقليمية التي يعيشها الوطن والأمة، في ظل أجواء ربانية زكية وتداول شوري مسؤول واستبشار موقن ببشائر النصر والتأييد بعد ملحمة طوفان الأقصى المجيد.

على مستوى سير أشغال الدورة، افتتح المجلس بكلمة توجيهية ألقاها فضيلة الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي الذي شدد على وجوب “تمثل روح النصيحة في هذا المجلس وباقي مجالس الجماعة”، مذكّرا “بضوابط الشورى وآدابها”، ومنوّها إلى “ضرورة اليقين في موعود الله والتسلح بالضراعة والتوجه إلى الله تعالى، والتعاون مع الفضلاء”، وأهاب بالمجلس لتوسيع اهتمامه بشكل أكبر بقضايا الوطن والأمة والإنسانية.

وفي ضوء نقاش وتداول جاد، تدارس أعضاء المجلس التقرير الولائي العام، وتقويم مخرجاته، وحددوا “التوجهات الكبرى المؤطرة لعمل الجماعة في الولاية المقبلة، وكذا القضايا ذات الأولوية”. كما سجّل المؤتمرون تطور حضور الجماعة في ميادين التربية والدعوة، و”تفاعلها المسؤول مع قضايا المجتمع والأمة، وحفاظها على توازنها الدعوي والسياسي، وتوسع مجالات تعاونها مع باقي قوى المجتمع”، وأشادوا بـ”الأداء الجيد لكافة مؤسسات الجماعة، والحضور المشرف لأعضائها والمتعاطفين مع مشروعها، رغم استمرار الحصار والتضييقات”.

أما في الشق التنظيمي، فقد اختار المؤتمرون عبر آلية الاقتراع إعادة انتخاب الأستاذ عبد الكريم العلمي رئيسا لمجلس شورى جماعة العدل والإحسان، والأستاذ سعيد حنكير نائبا له.


وعلى مستوى المواقف، حبل البيان الختامي لأشغال المجلس بالكثير منها وفي العديد من القضايا والملفات؛ إذ سجل في البداية “تصاعد المقاربة الأمنية السلطوية الظالمة، وما يرافقها من تضييق متزايد على حرية الرأي والتعبير والتنظيم، من خلال استهداف الأصوات المعارضة، وسن تشريعات تجهز على الحقوق والمكتسبات”. ودعا إلى اتخاذ خطوات ضرورية منها الإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ووقف المتابعات ذات الخلفيات السياسية، ورفع قبضة التضييق عن العمل السياسي والمدني الحر، ورفع التشميع الظالم عن بيوت أعضاء الجماعة، وعلى رأسها بيت الأمين العام للجماعة، وإنصاف الذين تم إعفاؤهم من مهامهم الوظيفية لاعتبارات سياسية.

وفي الشق الاجتماعي، تدارس المجلس عدة قضايا تبيّن تفاقم الأوضاع الاجتماعية بالمغرب، في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، مما يكشف محدودية شعار “الدولة الاجتماعية”. كما عبّر عن تضامنه مع ضحايا الفيضانات التي مست عددا من المناطق وخلفت خسائر جسيمة، داعيا الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في توفير الدعم اللازم للمتضررين، ومثمنا روح التضامن التي أبان عنها المتطوعون وما بذلوه من جهود إنسانية نبيلة للتخفيف من معاناة المتضررين. وذكر المجلس أن ملف ضحايا زلزال الحوز والجنوب لا يزال مفتوحا ويستوجب استكمال تنزيل إجراءات الدعم والإيواء.
ووقف مجلس شورى الجماعة عند “عمق أزمة الشباب بين تعليم مأزوم لا يؤهل، وسوق شغل عاجز عن الاستيعاب”، وهو ما يفاقم الإحباط ويهدد مستقبل البلاد، مطالبا بتبني سياسات حقيقية تعيد الأمل لهذه الفئة الحيوية.

وفي الشق الديني، ندد المجلس بتحكم الدولة في الشأن الديني وتأميمها له؛ عبر توظيف فج للمساجد والعلماء في تبرير الفساد والاستبداد، وتقليص وظيفتهما في أداء واجب البيان والتوجيه، داعيا إلى استعادة الموقع الطبيعي للعلماء والمساجد في تأطير الأمة ومواجهة كافة الانحرافات. وفي الجانب القيمي، حذر المجلس من تصاعد مظاهر استهداف القيم والأخلاق والأسرة، ومحاولات تفكيك المرجعية الإسلامية، مطالبا بصيانة هوية المجتمع وحماية منظومته القيمية.
وتأكيدا لموقفها السياسي المركزي، نبهت الجماعة إلى استمرار “الأعطاب البنيوية التي تطبع المشهد السياسي الوطني: من تحكم الاستبداد واستشراء الفساد، وغياب الإرادة الحقيقية للإصلاح”، مما يجعل الانتخابات المقبلة “موسما متكررا للمساومة وشراء الذمم وبيع الأوهام وإعادة إنتاج نفس الاختلالات، بدل أن تكون مدخلا للتغيير الحقيقي”.

وفي حين جدّد المجلس رفضه القاطع لمسار التطبيع، محذرا من أنه أصبح مدخلا للاختراق السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي، وخدمة مباشرة لمشاريع الهيمنة الصهيونية. دعا مجددا كافة القوى الوطنية الحية إلى توحيد الجهود، وتجاوز الخلافات، وبناء جبهة مجتمعية قوية وواسعة؛ لمواجهة الاستبداد والفساد والدفاع عن كرامة الإنسان.
أما على مستوى واقع الأمة، فقد ندد المجلس بالاعتداءات المتتالية على المسجد الأقصى التي وصلت إلى حد إغلاقه في وجه المصلين والمعتكفين والمرابطين. وجدّد إدانة الجماعة لحرب الإبادة المستمرة على غزة وكافة فلسطين، وللحرب الصهيونية الأمريكية على إيران ولبنان، ونبّه إلى خطورة جر بلدان الخليج لهذه الحرب، داعيا إلى وعي استراتيجي جماعي وتوحيد جهود التصدي للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، وتجاوز مخططات التفريق والتشتيت في جسم الأمة.

وحذر من تكالب استكباري ذي نزعة صهيونية صليبية، يقوم على الاستفراد بكل ساحة من ساحات الأمة على حدة، واستهداف الشعوب في غزة وعموم فلسطين ولبنان واليمن وسوريا وإيران والعراق، بهدف فرض الهيمنة وتحقيق أوهام التوسع. داعيا إلى حقن دماء الشعب السوداني.

وفي الأخير، أكد المجلس، وهو يستحضر هذه الأحداث العظام والتداعيات الجسام، أنها جزء من تصاريف قدر الله في ملكوته، وأصل من سننه في خلقه “إذ لا يحجب دخان الابتلاءات والمحن نور اليقين وفجر المنح، ولن تغطيَ قتامة واقع متقلب شديد بشائر فجر صادق ووعد غير مكذوب” إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ. غافر الآية: 51- 52. مجددا العهد مع الله تعالى أن يظل وفيا لروح المشروع الذي أثله الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، مشروع رحمة دافقة على الإنسان وبشارة صادحة للتشوف إلى ذرى الإحسان، ودعوة صادقة للعدل والكرامة ونبذ الظلم والطغيان.
