تُقدم الوثيقة الصادرة عن قطاع المحامين لجماعة العدل والإحسان، قراءة نقدية متأنية لمشروع القانون 66.23 انطلاقا من المرجعية الجامعة التي تؤطر مواقف جماعة العدل والاحسان، حيث “يتكامل نصّ الشرع مع معاني العدل والكرامة والحرية”.
الوثيقة التي صدرت يوم الثلاثاء الماضي 21 أبريل 2026 بشأن “المقتضيات السلبية والمقتضيات الغائبة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة”؛ تهدف إلى أن تكون “مساهمة في البيان والنصح، ووفاء لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجال التشريع المهني، ودعوة إلى مراجعة جذرية للمشروع في اتجاه يوافق مقتضيات العدل ومطالب الكرامة”. إذ إن القضية في جوهرها ليست فئوية، وإنما هي “حلقة من حلقات معركة أوسع ضد كل أشكال الاستبداد والظلم، وكجزء من معركة إقامة العدل في الأرض”.
هيمنة فلسفة “الضبط” وتراجع استقلال التنظيم الذاتي
تؤكد المذكرة أن البنية العامة للمشروع تُظهر “أن المشرع اتجه إلى توسيع النص وإغنائه بالتفاصيل التنظيمية والإجرائية، لكن هذا التوسع تم في كثير من المواضع على حساب مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة”. وبدلا من تعزيز الاستقلال، اتجه المشروع إلى “تقنين عدد من العناصر التي كان الأصل أن تظل ضمن المجال الترتيبي أو الذاتي للهيئات، وهو ما قد يفضي إلى تضييق مرونة المهنة وإضعاف قدرتها على التكيف مع التحولات العملية”. وإن هذا النزوع التشريعي يعكس رغبة واضحة في فرض وصاية قانونية تتجاوز الأدوار التقليدية للهيئات المهنية المنتخبة.
وفي تحليل أعمق لاختلال التوازن المؤسسي، يرى القطاع أن المشروع “يميل إلى توسيع نفوذ النيابة العامة داخل المنظومة التأديبية والتنظيمية للمحامين (من خلال صلاحيات تحريك أو تحفيز المتابعات التأديبية وطلب التوقيف والطعن في قرارات الهيئات)”. وهذا التدخل يأتي “دون أن يقيم بالمقابل حواجز مؤسسية واضحة تفصل بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم التأديبي”، مما يجعل “المسافة بينه وبين المعايير الكونية لمسؤولية المحامي واستقلاله مسافة ملموسة تستوجب مراجعة عميقة” لأن حضور سلطة الاتهام في قلب المسار التأديبي يهدد، وفق مضمون الوثيقة، جوهر استقلالية الدفاع.
علاوة على ذلك، يسجل المحامون في المذكرة أن “المشروع يكرس حضور المشرع والسلطة العمومية في تفاصيل الحياة المهنية أكثر مما يعزز استقلال التنظيم الذاتي”. ويظهر ذلك جليا في “إحالة العديد من المقتضيات على نصوص تنظيمية ينتظر أن تصدرها السلطة التنفيذية، دون تحديد سقف زمني لصدورها”.
ومن منظور واقعي، فإن هذا الارتباط المطلق بالسلطة التنفيذية يجعل من “مبدأ التكافؤ بين سلطتي الاتهام والدفاع” مجرد شعار يفتقد لآليات التنفيذ الحقيقية على أرض الواقع التشريعي، رغم أنه مكسب حقوقي كرسه قرار المحكمة الدستورية رقم 921/13 الصادر بتاريخ 13/08/2013، الذي يعني أن “التشريع لمهنة المحاماة، هو تشريع لسلطة من السلط الأساسية في نظام الدولة الحديثة.”
حصانة دفاع “هشة” وعوائق طبقية تهدد تكافؤ الفرص
تنتقد الوثيقة بشدة قصور الحماية القانونية، موضحة أن “الصيغة النهائية، رغم تضمينها مقتضيات حمائية، لا ترقى إلى تأسيس نظرية متكاملة لحصانة الدفاع؛ إذ تظل عبارات الحماية فيها غير كافية أو قابلة لتأويل يضيّق من آثارها العملية”. فالمشروع “لا يبلور تعريفًا دقيقًا لمجال الحصانة الوظيفية للمرافعة، ولا يحدد بوضوح الحدود الفاصلة بين القول أو الفعل المشمولين بالحماية الدفاعية وبين الانحراف المهني”. هذا الغموض المتعمد قد يؤدي إلى “أثر مُثبِّط على جرأة المحامي في الدفاع”، مما يفرغ الحصانة من محتواها الدستوري.
أما فيما يخص شروط الولوج، فترى المذكرة أن المشروع “يتجه إلى تشديد شروط الولوج للمهنة عبر مسار طويل مكلف ومعقد، مع تقييدات سنية ومسارات مخففة لبعض الفئات دون غيرها”. وهذا التنظيم تقول المذكر؛ يُنتِج عمليًا “عدم مساواة في الفرص بين الخريجين المختلفين اجتماعيًا وجيليًا، وهو ما ينعكس في تضييق القاعدة الاجتماعية والاقتصادية للولوج إلى الدفاع”. مشددة على أن إقرار امتيازات خاصة لبعض الفئات، “يميل بالمشروع من منطق مشروع لضبط الجودة إلى منطق يُنتِج عمليًا تمييزًا على أساس الوضع الاجتماعي والمسار الدراسي والسن”.
وفي سياق التمثيلية المهنية، سجلت المذكرة “انكماشا لتمثيلية الفئات الشابة”، حيث إن الصياغة المعتمدة بخصوص تركيبة مجلس الهيئة وشروط الترشح لعضويته “تتجه إلى هندسة تمثيلية تؤدي عمليًا إلى انكماش حضور الفئات الشابة داخل أجهزة القرار المهني”، موضحة أن هذه الشروط تجعل “طريق المحامين الشباب نحو مواقع القيادة شبه مغلق لآماد طويلة، ويُكرّس احتكار القرار من قبل دائرة ضيقة من ذوي الأقدمية”.
غياب الرؤية الاستشرافية وقصور في مواكبة “العدالة الرقمية”
من الناحية التقنية، تسجل المذكرة “محدودية الاستشراف التشريعي”، حيث انصرف المشروع إلى “معالجة الترتيب القائم أو تشديد بعض آليات الضبط، أكثر من انصرافه إلى بناء رؤية استشرافية لمهنة المحاماة في أفقها الرقمي والاقتصادي والمؤسساتي الجديد”. لافتة إلى أن فالنص “لا يعكس بالقدر الكافي تحولات السوق القانونية، وتغير طبيعة الطلب على الخدمات القانونية، وصعود التقنيات الرقمية”. ونبه محامو العدل والإحسان إلى أن هذا القصور يجعل النصوص القانونية بمجرد دخولها حيز التنفيذ؛ عرضة لأن تصبح “متجاوزة أو محتاجة إلى مراجعات متقاربة زمنيا، أو تصبح عرضة لتأويلات قد تخرج عن مراميها وأهدافا.”
وتستدل الوثيقة على هذا الغياب بالإشارة إلى أن المشروع لم يتبنَّ “نظام؛ acte d’avocat” مما يحرم المهنة من وظيفة توثيقية وقائية كان يمكن أن تعزز مكانة المحامي في الحياة التعاقدية. كما “لم يتضمن إطارًا خاصًا بالتكنولوجيا القانونية (Legal Tech)، رغم أن الممارسة المعاصرة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المنصات والتوقيع الإلكتروني وإدارة الملفات عن بعد، والذكاء الاصطناعي المساعد والتواصل المهني الرقمي”. موضحة أن تجاهل هذه التحولات العميقة يكرس “التصور التقليدي الذي يحصر دور المحامي في الاستشارة أو الترافع بالمعنى الكلاسيكي”.
وأكدت مذكرة محاميي العدل والإحسان في خلاصاتها أن “مواطن القوة الشكلية في المشروع لا تكفي لإخفاء محدودية تصوره الوظيفي للمهنة”. موضحة أن ما تراه مطلوبا اليوم هو “نصٌ أكثر ذكاء في توزيع الوظائف والضمانات، وأكثر قدرة على استيعاب التحولات الرقمية والاقتصادية والمقارنة”. وتشدد الوثيقة على أن “التحديث إذا ظل محصورًا في توسيع النص وتشديد بعض آليات الضبط، دون توسيع وظائف المحامي وضمانات استقلاله وانفتاحه على التحولات الجديدة”، فإن المشروع قد يفضي إلى “إصلاح ناقص أو محدود الأثر”.