محورية القرآن الكريم

"من أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن"؛ قولة مأثورة تجسد أهمية القرآن في حياة المؤمن، فأهله هم أهل الله وخاصته، وخيريتهم مرتبطة بتعلمه وتعليمه لما في القرآن العظيم من بالغ الحكم وغامض السر وخطير الشأن.
فمن أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ففيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا. بحكمه يقوم العدل وبهديه نسير على الصراط المستقيم، لا تزيغ به الأهواء ولا تضل به القلوب. الاعتصام به مخرج الأمة من الفتنة، ومعراجها من دركات الانحطاط والانهزام والغثائية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه: "ألا إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم..." [1].
ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، فأهله هم الأخيار، بل أخيار الأخيار كما قال الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، فلكل من عظم كتاب الله، وخدمه حفظا وتلاوة، وعمل بأمره ونهيه نصيب من ولاية الله. ومتى تحقق العبد بالعلم بالقرآن صار عارفا، فإن صار عارفا حنّ وأنّ، وطلب زيادة العلم بالله... وكل الطرق والفنون في القرآن الكريم.
فالقرآن الكريم هو ربيع قلوب الذاكرين، به يهتدي المهتدون ويصل الواصلون، هو باب الله تعالى، وعنه تأخذ أرواح العارفين أسرار المعرفة، وما المعرفة التي لا ترجع إليه إلا زور وضلالة. لقارئه وحافظه ومعلمه التواب الجزيل والفضل العظيم، حيث يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: "اقرأ وارق ورتل القرآن كما كنت ترتله في دار الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرأها" [2].
ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن؛ فالقرآن كتاب جهاد أولا وأخيرا؛ دعوة لجهاد النفس حتى تستقيم على صراط الله المستقيم مستعينة بنوره وهديه، وتعظيم المتكلم به، وتصديق المبلغ له، مسترحمة به، مستدلة بآياته الحكيمة، فارقة بين الحق والباطل حتى تنال الخيرية عند الله، والقرب والخاصية يوم القيامة. ودعوة لجهاد جماعي لإقامة شرع الله في الأرض حتى يسود القرآن في دولة القرآن سيادة مطلقة، لحمتها سلطان الإسلام العادل، وسداها وازع القرآن وداعي القرآن في قلوب أهل الإيمان والإحسان.
ومن خلال كل ما سيق نستكشف ونفهم كيف كان القرآن محور كل كتابات الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، فكانت مركزية القرآن العظيم في فكره المنهاجي، نوره الذي يرى به الحق، وملهمه الذي سطر به منهاجه، وصلته بالله الذي قربه منه، فورث بذلك الخصال المحمدية التي أهلته ليكون مجددا، جدد به الله الفهم والإيمان، وفتح به للأمة بابا من أبواب العودة إليه والسير على منهاج نبيه.
[1] رواه الترمذي والدارمي رحمهما الله.
[2] رواه الترمذي رحمه الله في السنن.




