مداخلة د. رشيد بنكيران خلال ندوة علمائية إسنادا للقضية الفلسطينية

Cover Image for مداخلة د. رشيد بنكيران خلال ندوة علمائية إسنادا للقضية الفلسطينية
نشر بتاريخ

اعتبر الدكتور رشيد بنكيران في حديثه عن مفهوم الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية، أنه لا يرتبط بشعار عاطفي أو بدعم رمزي عابر، وإنما هو حديث عن واجب شرعي له جذوره في الوحي وامتداده في الفكر ومقاصده في خدمة هذه الأمة ونصرتها. وأضاف قائلا إن القضية الفلسطينية لم تكن يوما قضية إنسانية فحسب، بل هي قضية علم وحق ودين وأرض ووعي وبيان، وقضية أمة تواجه تبعات نكبة بل نكبات، من هضم للحقوق وتزوير للحقائق والتاريخ وتشويه للوعي وتحريف للدين، ولذلك فهي أحوج ما تكون إلى جبهة علمية رصينة تسند القضية بالبرهان كما يسندها المجاهد بالنفس والمال.

وخلال مشاركته في الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها المجموعة العلمائية المغربية لإسناد القضية الفلسطينية يوم السبت 3 يناير 2026، والتي شارك فيها إلى جانب كل من السادة الدكاترة محماد رفيع وعصام البشير ومحمد عوام، استشهد المتحدث بقوله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، موضحا أن المقصود هو الجهاد بالقرآن الكريم، وأن القرآن الكريم في معتقده ودينه هو العلم وأساس العلم. وأضاف أنه ليس أنفع ولا أنجع في ميادين النصرة من العلم، مستحضرا ما قيل قديما: “إنما العلم إمام العمل وقائده والعمل تابع له ومؤتم به”، مؤكدا أن كل عمل لا يكون خلف العلم مقتديا به فهو غير نافع لصاحبه بل قد يكون مضرة عليه. وشدّد على أن العلم بهذا التصور ليس سندا معرفيا زائدا أو عنصرا تكميليا، بل هو أداة أساسية من أدوات النصر والتمكين.

وفيما يتعلق بالمعنى اللغوي لكلمة الإسناد، أوضح أستاذ الفقه وأصوله أن كلمة الإسناد تعود إلى مادة السين والنون والدال، وهي أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء، وتتفرع عنه معانٍ متنوعة منها الدعامة والثبات والاعتماد والاتكاء. وأضاف أن السند لغة ما يُعتمد عليه، ومنه قولهم: “سند الجبل” أي جانبه الذي يستند إليه. ثم بين أن الإسناد هو جعل شيء قائمًا على غيره اعتمادا، وأن الدلالة الأصلية لفعل “أسند” أو لمصدر “الإسناد” تحيل إلى معنى جامع هو إلحاق أمر بأمر ليكون له أصلا أو مرجعا أو معتمدا في قيامه وتقويته واستمراره بما يمنع سقوطه أو تهاويه.

وأضاف الأستاذ بمعهد الغرب الإسلامي أنه من هذا المعنى العام انطلقت بعض علوم الإسلام، أشهرها علم الإسناد، موضحا أن الإسناد المقصود به علم الحديث الذي يتكلم عن سلسلة موثوقة متصلة. ثم انتقل إلى بيان معنى الإسناد العلمي على وجه العموم، فقال إنه اعتماد معرفي صحيح يربط المسائل العلمية بمصادرها الأصيلة، قصد فهم حقيقتها وتجليّة إشكالاتها وإيجاد مخارج لها وتفسيرات علمية، ويضمن أن يكون الخطاب العلمي مستندًا إلى علم موثوق لا إلى عاطفة ولا دعاية ولا أيديولوجيا منحرفة ولا إعلام موجه ولا سياسة منحازة.

وأشار المتحدث إلى أنه إذا كان الإسناد في علم الحديث يحفظ الرواية النبوية من التحريف، فإن الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية يحفظ الرواية الحضارية من التشويه كذلك، ويحميها من الاختطاف من لدن أعداء الإنسانية وأعداء الإسلام وأعداء كل ما هو حق في هذا الكون.

وقال بنكيران إنه من خلال تأمله لما تحتاج إليه القضية الفلسطينية تمخضت لديه عدة تعاريف، قبل أن يقع اختياره في الأخير على تعريف واحد تركه بين أيدي الحاضرين، واعتبره تعريفا اصطلاحيا للإسناد العلمي للقضية الفلسطينية، فقال: “هو توظيف منظومة معرفية بحثية تستهدف إنتاج خطاب علمي مؤسس، يخدم القضية في أبعادها الدينية والتاريخية والقانونية والسياسية، من خلال التفنيد والإثبات والتحليل والمدافعة“.

وأوضح أنه يمكن تقسيم هذا التعريف إلى عناصر أساسية تتوزع على محاور كبرى وتقوم على مكونات محورية متداخلة. وبدأ بالعنصر الأول: “توظيف منظومة معرفية بحثية”، معتبرًا أنها عبارة ذات دلالة عميقة وإشارة محورية، لأن المقصود ليس معلومات متفرقة أو جهودًا علمية فردية معزولة، بل منظومة معرفية متكاملة تتكون من مناهج بحث وأدوات تحليل وحقول معرفية متساندة ومتعاونة يمد بعضها بعضًا. وأضاف أن المنظومة المعرفية تعني تضافر فنون متنوعة من العلوم: علم التاريخ، وعلم الفقه وأصوله، ومقاصد الشريعة، وعلم السياسة والقانون الدولي، بل وحتى الدراسات الاستعمارية، وكل ما من شأنه أن يسهم في تكوين هذه المنظومة المعرفية بحجج يمكن بها مقاومة ما عند الآخر في هذا الباب، مؤكدا أنه من دون هذا التكامل المعرفي الممنهج يكون الدفاع عن القضية الفلسطينية خطابا جزئيا أو موسميًا أو تعبيرا عن انفعال ورد فعل.

وفي السياق الفلسطيني، قال المتحدث إن هذا التوظيف يتجلى مثلا في الجمع بين النصوص الشرعية المؤسسة لفكرة الأرض المقدسة والوقف والرباط -وهي معانٍ تُستمد من الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة- وبين الوثائق التاريخية العثمانية والبريطانية، إلى جانب نصوص القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والدراسات الديموغرافية للسكان وغيرها، على أن تُدمج هذه المواد داخل إطار معرفي واحد يخضع لمنهج بحثي يمكن مساءلته ونقده، لا أن تُستعمل استعمالا تجزيئيا أو خطابيا.

وأضاف بنكيران أنه إذا نظرنا إلى المشروع الصهيوني، كما يقال أحيانا نحتاج إلى الضد لكي نفهم المعنى ونحتاج إلى العدو لكي نعرف ماذا يجب علينا أن نفعل، فإننا نجد أن أحد أسرار قوته هو اشتغاله المبكر على منظومة معرفية متكاملة، لا على خطاب عفوي بل على شيء مدروس. وذكر من ذلك إعادة تأويل تاريخ التوراة لتحقيق هدف احتلال “الأرض الميعاد” وما شابه، بانتقاء نصوص معينة، وحفريات أثرية موجهة وقد تكون مزورة، ثم دراسات لغوية وأبحاث أنثروبولوجية، ثم لاحقًا تنظير قانوني وسياسي. وأكد أن هذا الكيان لم يصل إلى ما وصل إليه بمجرد ادعاء فقط، بل إن كل جزء علمي ومعرفي فيه يدل على أن الأمر لا يتعلق بخطاب أو بشعار أو بانفعال، بل بتقديم معلومات موثقة إلى غير ذلك.

وانتقل المتحدث إلى العنصر الأساسي الثاني في التعريف: “تستهدف إنتاج خطاب علمي مؤسس”، موضحا أن الخطاب العلمي المؤسس يختلف جذريا عن الخطاب الوعظي والتعبوي، مع أنه لا ينفيهما ولا يعاديهما، لأن لكل خطاب دوره ومكانه. وأكد الحاجة إلى الحماسة وإلى الخطاب التعبوي، لكن كلًّا في مجاله، وأن ما اجتمعوا حوله في ذلك المقام شيء آخر لا يعادي الخطاب التعبوي ولكنه ليس هو، ولا بد من التفريق بينهما.

وأوضح المتحدث أن التأسيس العلمي يعني أن يكون الخطاب أولا قائما على مقدمات يمكن البرهنة عليها؛ فإذا كان الحديث عن وجود تاريخي للفلسطينيين فلا بد من تقديم وثائق تاريخية وأشياء ملموسة، لا الاكتفاء بكلام دون توثيق أو بيان أو ذكر المصدر. وأضاف أن من شروطه كذلك أن يكون الخطاب منسجما داخليا وخاليا من التناقض المنهجي، وقابلا للنقاش داخل الحقول الأكاديمية حتى مع الخصوم والأعداء. وبيّن أن الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية لا يكفي فيه القول مثلًا: “فلسطين أرض إسلامية” كحكم خطابي هكذا، بل ينبغي تفكيك هذا الحكم، مثلًا إلى مفهوم الأرض في الفقه الإسلامي، وتحديد معنى الأرض ومعنى الوقف العام والخاص. وأضاف أنه لا يخفى أن من الناس من “جلدتنا” ويتكلمون بلساننا من يحاولون بشتى الطرق أن تُباع تلك الأرض، ولذلك -كما قال- لا بد أن نحيي في الأمة ما يفيد دينا ومعتقدا أنه لا يجوز لأي أحد، سواء كان رئيسا أو مرؤوسا، أن يتصرف في تلك الأرض، وأنه ليس له المشروعية ألبتة من الجهة الشرعية. ثم أشار إلى جهات أخرى من التفكيك، مثل الاستمرارية التاريخية للوجود الإسلامي وأثر الاحتلال في تغيير الوضع القانوني للأرض.

وللتقريب، ذكر مثال الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي الذي نجح رغم انحيازاته في إنتاج خطاب بدا في بدايته علميا في نظر المؤسسات الغربية، لأنه كان يستوفي شروط البحث من حيث الشكل: توثيق، إحالات، مناهج لغوية وتاريخية، وهو ما مكّنه من التأثير في السياسة الاستعمارية. وخلص إلى أن الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية مطالب بأن ينافس في مستوى التأسيس لا في مستوى الشعارات.

وأضاف المتحدث أنه من شواهد هذا البعد ما قامت به بعض الدراسات ولله الحمد التي أعادت تعريف الصراع في فلسطين من كونه نزاعا دينيا فقط أو نزاعا حدوديا فقط إلى كونه استعمارا استيطانيا إحلاليا، مؤكدا أن هذا التوصيف لما يجري يشمل حتى الجانب الديني والجانب الحدودي، لكنه أوسع. وتابع أنه حينما نريد الحديث ضمن المجال السياسي بوصف ما يجري بأنه استعمار واحتلال، فهناك قوانين دولية فلا بد من استجلاب القوانين الدولية للمساعدة في تقوية الطرح ودعم القضية.

ثم عرض بنكيران العنصر الأساسي الثالث: “يخدم القضية في أبعادها الدينية والتاريخية والقانونية والسياسية”، وقال إن هذا التعريف يضيف بعدا وظيفيا مهما حين يقول “يخدم القضية”، لأن العلم أو الإسناد العلمي هنا ليس غاية في ذاته بل وسيلة لممارسة ضغط على شتى المجالات. وأضاف أن خدمة القضية تعني أن البحث العلمي يسائل نفسه باستمرار: ماذا يضيف هذا العمل إلى ميزان القوة المعرفية للقضية الفلسطينية؟ وإذا أردنا إنشاء عمل مؤسساتي في هذا الباب فأول سؤال ينبغي أن نتساءله: ماذا سنضيف إلى هذه القضية؟ وهل يفتح هذا الإسناد أفقا جديدا للفهم أو المدافعة، أم يكرر ما قيل دون أثر؟ وأكد في السياق ذاته أن خدمة القضية في أبعادها الدينية والتاريخية والقانونية والسياسية تعني أن هذه الأبعاد لا بد أن تتلاقح فيما بينها لتقدم منظومة معرفية لها حجج يمكن مواجهة ما جاء عن الكيان الصهيوني. وأضاف أنه في كل جزء تجد لهذا الكيان طرحا للسؤال وبحثا عن الجواب، فإذا سألته: من أين تدعي أنك لك حق في هذه الأرض؟ يأتي بالجواب الديني، والجواب السياسي، والجواب التاريخي.

وانتقل المتحدث إلى العنصر الأساسي الرابع: “التفنيد والإثبات”، موضحا أن التفنيد يعني نقد الدعاوى المنافسة أو المعادية من داخل منطقها لا بالاستهجان ولا بالإنكار العاطفي، وأن الإثبات هو إقامة الدليل الإيجابي بالبديل. وأضاف أنه يمكن اختصار هذا بما يعبر عنه علماء الأصول بقولهم: الجمع بين أمرين، دفع الشبهة وإقامة الحجة؛ فهناك شبهة لا بد من تفنيدها، وهناك في الواقع باب الإثبات لا بد من إقامة الحجة فيه.

وختم المتحدث بالعنصر الخامس: “التحليل والمدافعة”، موضحا أن التحليل هو الانتقال من وصف الوقائع إلى فهم بنيتها العميقة، مثل: كيف يعمل الاحتلال؟ كيف تُدار السرديات؟ كيف تتواطأ المعرفة مع القوة؟ أما المدافعة فهي توظيف هذا التحليل في الدفاع العلمي عن القضية داخل الفضاءات الأكاديمية والإعلامية والقانونية.

وفي ختام مداخلته، قال المتحدث إنه من خلال هذا العرض والتفكيك، ولو كان بعجالة، يتبين أن تعريف الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية ليس تعريفا إنشائيا أو توصيفا عاما، بل إطار منهجي دقيق لمعركة معرفية طويلة النفس، لا تُدار فيها القضية بوصفها مجرد انفعال، بل بوصفها قضية حق تحتاج إلى علم مؤسس لا مجرد تعاطف، وتحتاج إلى منظومة لا مبادرات فردية معزولة.