مرج الزّهور: كيفَ تُحوّلُ الخسارةَ الظَّرفيَّةَ إلى مكاسب

Cover Image for مرج الزّهور: كيفَ تُحوّلُ الخسارةَ الظَّرفيَّةَ إلى مكاسب
نشر بتاريخ

يُشكّل حدث مرج الزهور، الذي بدأ يوم 17 دجنبر 1992م، علامةً فارقة في مسار المقاومة الفلسطينية، ليس فقط باعتباره إجراء عقابيا استثنائيا تمثّل في الإبعاد الجماعي، بل لكونه تحوّل، بفعل مآلاته غير المتوقعة، إلى لحظة تأسيسية أعادت إنتاج الفعل المقاوم على المستويين الرمزي والاستراتيجي؛ فقد سعى الكيان الصهيوني، من خلال هذه الفعل، إلى إضعاف البنية القيادية والتنظيمية للمقاومة عبر العزل المكاني والقطيعة مع الحاضنة الشعبية، غير أنّ النتيجة النهائية جاءت معاكسة للمقاصد المُعلنة، ما يكشف محدودية المقاربة الأمنية الصرفة ـ مهما كانت قويّة وعنيفة ـ في مواجهة الحركات ذات البعد العقائدي والتنظيمي العميق.

إن إبعاد 416 فلسطينيا، غالبيتهم من كوادر حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وقلّة من حركة الجهاد الإسلامي، ممن يمتلكون خبرات علمية ومهنية، لم يكن إجراء عشوائيا، بل يعكس إدراك الاحتلال لخطورة “العقل التنظيمي” وإمكانيات “الفعل الميداني”. غير أنّ رفض الجيش اللبناني استقبال المبعدين، أفضى إلى نشوء حالة سياسية إقليمية تمثّلت في “الاستقرار” القسري بمنطقة مرج الزهور. وقد تحوّل هذا القَسْرُ، في ظرف مُناخيّ قاسٍ، إلى مجال لإعادة تشكيل الذّات الجماعية للمقاومة، بما يؤكد أن الفعل المقاوم لا يتحدد بالحيّز المكانيّ بقدر ما يتحدد بالبنية الفكرية والتنظيمية.

ومنذ اللحظات الأولى، وأمام دهشة المراقبين، انخرط المبعدون في عملية تنظيم داخلي دقيقة، أسفرت عن تشكيل لجان مُتخصّصة ذاتِ طابعٍ تربويّ، واجتماعي، وعلمي، وإعلامي، وثقافي، ورياضي، ودعوي. وقد كشفت هذه الخطوة عن وعي عميق بأهمية التنظيم بوصفه شرطًا لبقاء الجماعة واستمراريتها، لا سيما في سياق الإقصاء القسري. كما تعكس انتقال المقاومة من ردّ الفعل الآني إلى بناء نموذج مُصغّر لمجتمع مقاوم، قادر على إدارة ذاته في ظروف استثنائية. وبهذا المعنى، يغدو مرج الزهور مختبرا عمليا لإعادة تعريف المقاومة باعتبارها مشروعا حضاريا متعدد الأبعاد، لا مجرد فعل عسكري معزول.

وقد برز الدور المركزي للخطاب والإعلام؛ حيث شكّل الشهيد عبد العزيز الرنتيسي واجهة سياسية وإعلامية للمبعدين، وأسهم في نقل قضيتهم من نطاقها الأمني الضيق إلى الفضاء الحقوقي والإنساني العالمي. وقد أدى هذا التحول إلى إحراج الكيان الصهيوني أمام الرأي العام الدولي، وأعاد ترتيب موازين التأثير في الصراع، بما يثبت أن السيطرة على السردية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

ومع عودة المبعدين تدريجيا تحت ضغط دولي متزايد، برزت تعقيدات المرحلة اللاحقة، إذ كشفت التجربة ـ ضمن أمور أخرى ـ عن الكلفة النفسية والأمنية الباهظة للصراع طويل الأمد؛ فقد أفضت ظروف الاعتقال والإبعاد القاسية إلى بعض الانهيارات الفردية، كان لها أثر مباشر على البنية الميدانية للمقاومة، وهذه أمور معروفة مشهورة عند كلّ مؤرّخي المقاومة. وتُظهر تلك الوقائع أن التجربة النضالية، مهما بلغت من السُمُوّ الرّمزي، تظل تجربة بشرية محكومة بعوامل الضعف والقوة معا، الأمر الذي يستدعي قراءة نقدية لا تمجيدية، تأخذ في الحسبان هشاشة الفرد داخل السياق القهري.

على المستوى الإقليمي، مثّل مرج الزهور نقطة انعطاف استراتيجية في علاقات المقاومة الفلسطينية؛ حيث دُشّنت خلاله العلاقة العملية مع كلٍّ من إيران وحزب الله. ولم يكن هذا التقارب وليد تقاطع سياسي عابر، بل نتاج إدراك متبادل لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني بوصفه صراعا ممتدا يتجاوز الحدود الوطنية. وقد اعتُبر الحدث، في الوعي السياسي الإيراني ـ كما أوردت الباحثة فاطمة الصّمادي  في كتابها “إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى” ـ لحظة تأسيسية في بناء محور دعم إقليمي للمقاومة الفلسطينية، بما يعكس انتقالها من الفعل المحلي إلى التموقع ضمن شبكة إقليمية أوسع.

إن مرج الزهور يتجاوز كونه حادثة إبعاد قسري إلى كونه تجربة تاريخية كثيفة الدلالات، أسهمت في إعادة تشكيل الوعي المقاوم، وتعميق مفهوم الصمود، وربط المحلي بالإقليمي ضمن أفق استراتيجي طويل المدى. لقد تحوّلت المحنة إلى مورد رمزي وسياسي، وأثبتت التجربة أن المقاومة القادرة على التّشبيك بين “التنظيم” و”إنتاج المعنى” تملك قابلية تحويل الخسارة الظرفية إلى مكاسب تاريخية مستدامة.