“مساحة وضوح” تفتح ملفات الغلاء والتطبيع والحريات في المغرب

Cover Image for “مساحة وضوح” تفتح ملفات الغلاء والتطبيع والحريات في المغرب
نشر بتاريخ

في الحلقة الأولى من البرنامج الجديد “مساحة وضوح“، الذي سيكون سلسلة يتناوب فيها مجموعة من المقدّمين لعدد من القضايا، قدّم الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، قراءة نقدية لجملة من المستجدات الراهنة في المغرب، رابطا بينها بسؤال مركزي: هل نحن أمام مؤشرات تبشر بتغيير حقيقي يلمسه المواطن، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج للوضع نفسه بآليات أخرى؟ وفكك بناجح هذه المستجدات في ثلاث ملفات حارقة: الأول يتعلق بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، أما الثاني فيتناول الصلاة التلمودية التي وقعت في مراكش، والثالث مرتبط بملف الحريات.

استهل بناجح حديثه بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، مستندا إلى أرقام رسمية تكشف تدهور معيشة 75 في المئة من الأسر المغربية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بما يفوق قدرة 93 في المئة من المواطنين على التحمل. والأخطر من ذلك حسب المتحدث أن 2.5 في المئة فقط من الأسر المغربية قادرة على الادخار. في المقابل، أصبح أكثر من ثلث المغاربة إما غارقين في القروض المستمرة، أو مستنزفين لما تبقى لديهم من مدخرات. كما أن 66 في المئة من الأسر ترى أن هذا الوقت غير مناسب لشراء أشياء كمالية، كالتجهيزات المنزلية أو الأثاث أو غير ذلك من الحاجات التي أصبحت خارج حسابات كثير من المواطنين.

وتوقف المتحدث عند ملف المحروقات، منتقدا غياب آليات حماية المواطن من تقلبات السوق وجشع الشركات، معتبرا أن الدولة تركت المواطن “فريسة” لشركات تراكم الأرباح عبر صعود صاروخي للأسعار ونزول بطيء بالسنتيمات، كما انتقد بشدة إقالة المسؤولين الذين تجرؤوا على كشف اختلالات هذا القطاع، في إشارة واضحة لغياب المحاسبة.

وفي السياق نفسه، تناول أزمة أضاحي العيد، حيث وصف تصريحات رئيس الحكومة بـ”العجيبة والخطيرة” التي تفتقر لأدنى آليات حماية المواطن و”الكساب” على حد سواء، معتبرا أن ارتفاع الأسعار رغم الدعم والاستيراد وتحسن الموسم الفلاحي يكشف ضعف تدخل الدولة في حماية المواطن و”الكساب” معا.

وبمرارة كبيرة، تناول بناجح ملف هدم مساكن المواطنين في عدة مدن مغربية، مؤكدا أن الإصلاح العمراني لا ينبغي أن يتم على حساب كرامة الناس واستقرارهم، ولا عبر ترحيلهم إلى الهوامش، معتبرا أن ما يحدث هو ضرب للكرامة في الصميم، فخلف شعارات “إعادة الهيكلة” يتم اقتلاع عائلات من تاريخها وذكرياتها، ورميها في هوامش المدن دون تعويضات عادلة أو بدائل لائقة، مما يكرس الفوارق الاجتماعية ويحول السكن من سترة وكرامة إلى مأساة إنسانية مستمرة.

أما في المحور الثاني، فتوقف المتحدث عند الاستفزاز الصهيوني، متمثلا في “الصلاة التلمودية” قرب باب دكالة بمراكش، وهو مشهد اعتبره محاكاة لما يحدث في المسجد الأقصى المحتل. وحذر بناجح من أن هذا السلوك ليس مجرد عبادة، بل هو “تغلغل وتصهين” تتحمل فيه السلطة المسؤولية الكاملة بتوفير الحماية له في وقت تمنع فيه صلوات التراويح بدعوى “احتلال الفضاء العمومي”. واعتبر أن ما حصل لا يدخل في إطار حرية العبادة بقدر ما يعكس، في نظره، استفزازا رمزيا مرتبطا بمسار التطبيع. وميّز بين اليهود المغاربة الذين عاشوا تاريخيا داخل المجتمع المغربي وبين المشروع الصهيوني، محذرا من توظيف خطاب التسامح لتبرير مشاهد يراها المغاربة استفزازية في ظل ما يجري في فلسطين.

وربط بناجح هذا الحدث بمخاوف أوسع من اختراق السيادة، خصوصا بعد الحديث عن مقترح منح الجنسية لأبناء وأحفاد اليهود المغاربة المهاجرين الموجودين في الأراضي المحتلة، معتبرا إياها خطوة لتبييض جرائم الاحتلال واختراق مفاصل الدولة أمنيا واقتصاديا وتعليميا، خاصة وأن الجنسية ليست إجراء إداريا بسيطا، بل قضية سيادية وسياسية خطيرة.

وفي مفارقة مخزية، قارن البرنامج بين استقبال الصهاينة بالتمر والحليب وبين منع المناضل المغربي عبد الصمد فتحي من السفر للمشاركة في أسطول كسر الحصار عن غزة، واصفا المنع بأنه جريمة حقوقية مكتملة الأركان، وعدّه مثالا على اختلال الموازين بين فتح المجال أمام التطبيع والتضييق على داعمي فلسطين.

وفي المحور الأخير، تناول ملف الحريات ومعتقلي الرأي بمناسبة أسبوع المعتقل، مسلطا الضوء على استمرار الاعتقال السياسي والمحاكمات التعسفية، وتوقف عند الحكم على فنان الراب صهيب قبلي بسبب أغانيه المناصرة لفلسطين، واستحضر أيضا معاناة معتقلي حراك الريف وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، والملفات ذات الطبيعة السياسية كملف النقيب محمد زيان وسعيدة العلمي وحسن الداودي ورضوان القسطيط. وأكد أن استمرار الاعتقال السياسي والمحاكمات المرتبطة بالرأي يترك جرحا إنسانيا عميقا لا يطال المعتقلين وحدهم، بل يمتد إلى عائلاتهم.

وانتهت الحلقة بدعوة ملحة لطي هذه الملفات وإطلاق سراح المعتقلين كمدخل وحيد لأي “انفراج حقوقي” حقيقي ولترميم الثقة المنعدمة في المؤسسات، وحماية المواطن من الغلاء والتهميش والتضييق، بما يجعل الكرامة والحرية والعدالة أساسا لأي إصلاح فعلي، مؤكدا أن الاستقرار لا يبنى على التنكيل بالعائلات وتصفية الحسابات السياسية.